آخر تحديث :الجمعة-27 فبراير 2026-11:27ص

وتد.. صوت القبيلة بين الأصالة والوعي

الجمعة - 27 فبراير 2026 - الساعة 03:42 ص
د. نادين الماوري

بقلم: د. نادين الماوري
- ارشيف الكاتب


د. نادين بنت عبدالله ناصر الماوري

‏باحثة في الهوية اليمنية ، ومفككة للبنية الفكرية السلالية


‏في زمن تتزاحم فيه المنصات الرقمية وتضيع فيه الأصوات الأصيلة وسط الضجيج الإعلامي، يبرز إطلاق منصة «وتد» كخطوة نوعية تعيد الاعتبار لصوت القبيلة بوصفها مكوّنًا اجتماعيًا راسخًا في بنية المجتمع اليمني، لا كرمز للانغلاق، بل كقيمة اجتماعية قائمة على الحكمة، والجاه، والنخوة، والإصلاح.


‏إن اسم «وتد» لم يُختر اعتباطًا؛ فالوتد في الوعي العربي والقبلي رمزٌ للثبات والسند والمرجعية عند الشدائد، كما يثبت الوتد الخيمة ويحفظ توازنها. وقد عبّر الشعر العربي عن هذا المعنى في تصوير الرجال الراسخين بالأوتاد، فيُقال في المدح إنهم أوتاد الدهر وثوابت الجماعة، أي من يُلجأ إليهم عند النوازل وتُستمد منهم القوة والاستقرار. كما عزّز المخيال العربي هذا الرمز ببلاغة قرآنية راسخة في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾، بما يحمله اللفظ من دلالة الثبات والرسوخ.


‏ومن هذا المعنى العميق تنطلق منصة «وتد» لتكون وتدًا معرفيًا وإعلاميًا يعكس صوت القبيلة الحقيقي بعيدًا عن التشويه أو التسييس أو الاختزال النمطي الذي طال هذا المكوّن عبر عقود. فالمقصود بالقبيلة هنا ليس إطارًا ضيقًا أو تقليديًا جامدًا، بل منظومة قيم اجتماعية ضاربة في التاريخ، تقوم على النصرة، والصلح، وحماية الضعيف، وصيانة الكرامة.


‏تأتي منصة «وتد» في لحظة تاريخية حساسة، حيث تتعرض الهوية اليمنية لمحاولات الطمس، وتُستهدف البنية الاجتماعية بالتفكيك أو التوظيف السياسي. ومن هنا، فإن إعادة تقديم الخطاب القبلي بصيغة واعية لا تعني العودة إلى الوراء، بل تعني استعادة أحد أعمدة التوازن المجتمعي، وتوظيفه في خدمة الاستقرار وبناء الدولة الوطنية الجامعة.


‏فالقبيلة اليمنية عبر التاريخ لم تكن نقيضًا للدولة، بل كانت سندًا لها عند الأزمات، ووسيطًا في الصلح، وحافظةً للسلم الأهلي، ومرجعية أخلاقية في غياب المؤسسات. ومن هذا المنطلق، تسعى «وتد» إلى توثيق الأعراف الإيجابية، وإبراز نماذج الحكمة الاجتماعية، وتقديم خطاب متزن يربط بين العرف والدستور في إطار المواطنة المتساوية التي قامت عليها الجمهورية وأهداف ثورة 26 سبتمبر في إلغاء الفوارق الطبقية وترسيخ العدالة الاجتماعية.


‏كما تهدف المنصة إلى خلق مساحة إعلامية رصينة تُعلي من خطاب الوعي بدل خطاب التحريض، وتسلّط الضوء على رموز الصلح المجتمعي وتجارب التماسك الاجتماعي، بما يعزز الهوية الوطنية دون إقصاء أو تمييز. فـ«وتد» ليست منصة انفعال، بل منصة اتزان، تعيد تعريف القوة بوصفها حكمة ومسؤولية، لا فوضى أو تعصب.


‏وفي سياق معركة الوعي التي تتطلب خطابًا عميقًا وجذريًا، تمثل «وتد» مشروعًا إعلاميًا يربط الأصالة بالمعاصرة، ويؤكد أن صوت القبيلة حين يكون واعيًا ومؤسسيًا يصبح رافدًا للاستقرار، وشريكًا في بناء الدولة، وحارسًا للهوية الجامعة.


‏إن إطلاق منصة «وتد» هو في جوهره إعلان عن عودة الصوت الاجتماعي الأصيل إلى الفضاء العام بصيغة مؤسسية واعية، تستند إلى الإرث القيمي للقبيلة، وتحترم الدستور، وتؤمن بالمواطنة، وتدرك أن الأوتاد الحقيقية ليست في الصخب، بل في الثبات عند الشدائد، وفي الحكمة عند الأزمات، وفي صون المجتمع من التفكك.

‏فحين يكون للمجتمع وتد إعلامي راشد، يصبح صوته أكثر اتزانًا، وأقرب إلى الحكمة، وأقدر على الإسهام في استقرار

‏الوطن وبناء الدولة.