عندما تصبح القضية العادلة ستاراً للمصالح الضيقة في جنوب اليمن
في زمن الفتن وتشابك المصالح، تبقى الحكمة الخالدة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه نبراساً يضيء دروب البصيرة، فقد ورد عنه عليه السلام في سياق أحداث الخوارج قوله: "كلمة حق أريد بها باطل" . وهي مقولة تصف بدقة متناهية من يرفعون شعارات براقة ظاهرها العدالة والمطالبة بالحقوق، وباطنها نوايا خبيثة وأجندة تهدف إلى استغلال عامة الناس وإيهامهم بأنهم يقودون معركة وجودية، وهم في الحقيقة يخدمون مصالح شخصية وفئوية ضيقة .
في جنوب اليمن، لا يمكن لأحد أن ينكر وجود مظلومية حقيقية، وحقوق مشروعة، ومطالب محقة.
القضية الجنوبية عادلة في جوهرها، وفيها أنصار كثر على نياتهم الطيبة يدافعون عن قضيتهم بإخلاص.
لكن المحزن والمؤلم هو استغلال كل هذه المشاعر النبيلة لتحقيق مآرب شخصية وتصفية حسابات سياسية.
ما نشهده اليوم في العاصمة المؤقتة عدن وبعض المحافظات الجنوبية من تحركات وحشود وتأجيج للشارع، يثير العديد من علامات الاستفهام حول التوقيت والأهداف الحقيقية وراء هذه المظاهرات.
ففي الوقت الذي تشهد فيه عدن تحسناً ملحوظاً في الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء وغيرها من الخدمات التي عانى منها المواطنون لسنوات، وفي الوقت الذي يعود فيه ميناء_عدن إلى سابق عهده كمرفق حيوي على طريق الملاحة الدولية بدعم سعودي كبير، تتصاعد فجأة حملات تحريضية تستهدف زعزعة الاستقرار .
هذه التحركات المشبوهة تزامنت أيضاً مع إعلان المملكة العربية السعودية الشقيقة عن دعم اقتصادي جديد لليمن بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي لضمان دفع الرواتب وتخفيف الضغوط الاقتصادية عن كاهل المواطنين، في خطوة تعكس التزام الرياض الدائم بدعم الشعب اليمني ومساندة الحكومة الشرعية .
والمتابع للمشهد يلاحظ أن هذه المظاهرات افتعلت بشكل مفاجئ، وبدأت ترفع شعارات مسيئة للأشقاء في المملكة العربية السعودية التي تقود المحور العربي والإسلامي وتقدم تضحيات جسام لدعم اليمن أرضاً وإنساناً. وهذا يؤكد أن ما يحدث ليس حراكاً شعبياً عفوياً، بل هو فوضى ممنهجة يقف خلفها من فقدوا مواقعهم ومكانتهم في عدن، ومن خسروا مصالحهم الاستراتيجية بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، والتي باشرت مهامها من العاصمة المؤقتة في خطوة تهدف إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات .
اللجنة الأمنية في عدن كشفت بوضوح أن الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد احتجاجات عفوية، بل جاءت نتيجة دعوات تحريضية وتصعيد ممنهج استهدف عرقلة عمل الحكومة وإثارة الفوضى، حيث حاولت مجاميع مسلحة اقتحام القصر الرئاسي في منطقة معاشيق وقطعت الطرقات واعتدت على رجال الأمن والممتلكات العامة .
وعليه نقول ويقول الجميع وبكل وضوح بوضوح ودون مواربة: المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل كان أحد أبرز أسباب الانهيار الذي عاشته عدن والجنوب في السنوات الماضية، سواء في ملف الخدمات أو في ملف الحريات والحقوق.
عدن لم تسقط فجأة في ظلام الكهرباء، ولم تجف مياهها صدفة، ولم تنهار مؤسساتها عبثاً. كل ذلك حدث في ظل واقع سياسي وأمني كانت له قيادة واضحة، وقرار واضح، ونفوذ واضح" .
وحقيقة ما جرى أمام قصر المعاشيق مؤخراً ليس حدثاً معزولاً.
هو امتداد لمحاولة جرّ عدن إلى مربع التصعيد بعد فقدان النفوذ والمصالح. عندما تُفقد المواقع، يبدأ اللعب بورقة الشارع.
عندما تضيع الامتيازات، تُشعل الأزمات. هذه ليست بطولة، هذه مقامرة بأمن مدينة أنهكها الصراع" .
القضية الجنوبية ليست ملكاً لأحد، وليست شعاراً يُرفع لتبرير الأخطاء أو غسل الوجوه التي أثبتت فشلاً ذريعاً في الإدارة.
القضية الجنوبية هي قضية شعب يريد كرامة وعدالة وتنمية وأمناً حقيقياً، وليس ستاراً يختبئ خلفه من عاثوا في الأرض فساداً ونهبوا مقدرات الدولة وسرقوا أحلام المواطنين.
إن من يختطف الناس باسم الجنوب، ويقمع المتظاهرين باسم الجنوب، ويفشل في إدارة الخدمات باسم الجنوب، ثم يخرج بعد ذلك ليرفع الشعارات نفسها، لا يمثل الجنوب ولا يعبر عن تطلعات أبنائه الشرفاء. الناس اليوم أكثر وعياً، والصورة لم تعد ضبابية كما كانت.
المعاناة كشفت الحقائق، والانهيار فضح الشعارات، ولن تنطلي كذبة جديدة على شعب دفع الثمن غالياً.
في لهجة حازمة، توعدت اللجنة الأمنية في عدن كل من يسعى للعبث بأمن المدينة باتخاذ إجراءات صارمة، مؤكدة أنها "ستضرب بيد من حديد" كل من يثبت تورطه في أعمال الفوضى أو التحريض أو الاعتداء على القوات الأمنية. وكشفت عن بدء لجان التحقيق عملها لتحديد المسؤولين عن الأحداث، مؤكدة أن الحق في التعبير السلمي مكفول دستورياً، لكنه مشروط بالالتزام بالقانون وعدم الإضرار بالأمن أو الممتلكات العامة .
عدن اليوم ليست بحاجة إلى شعارات رنانة تستر فشلاً وتغطي على إخفاقات متراكمة. عدن بحاجة إلى استقرار، عدالة، ومحاسبة. ومن أخطأ في حق المدينة وأهلها يجب أن يُحاسَب، لا أن يعود عبر بوابة الشعارات مستغلاً مشاعر الناس وقضيتهم العادلة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يضلل العامة ويستغل البسطاء، وفي كل من يسعى لإشعال الفتنة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى لم الشلم وتوحيد الكلمة لمواجهة التحديات المصيرية التي تهدد اليمن والمنطقة بأسرها.