آخر تحديث :الإثنين-09 مارس 2026-10:42م

بوصلة التيه

السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 05:06 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


من المفارقات العجيبة في المشهد السياسي اليمني أن تجد شريحة واسعة من المسؤولين والناشطين الذين سقطت مناطقهم تحت سيطرة قوى الأمر الواقع في الشمال يوجهون كامل طاقتهم السياسية والإعلامية لاستهداف الجنوب والجنوبيين إن هذا المشهد يطرح تساؤلات جادة حول الجدوى والمبرر من وراء هذا الخطاب المأزوم والذي يبدو متناقضاً تماماً مع أبجديات النضال الوطني .

يمثل هذا السلوك في جوهره حالة من الهروب النفسي والسياسي وستار يحجب حالة النقص والعجز من مواجهة الحقيقة المرة فبدلاً من تحمل مسؤولية تحرير الأرض وشحذ الهمم لاستعادة مؤسسات الدولة في مناطقهم الأصلية يتم استسهال خوض معارك افتراضية وإعلامية ضد الجنوب هذا الاستعداء المفتعل يعمل كمحاولة لتعويض الشعور بالعجز وإثبات الحضور على الساحة ولو على حساب شركاء يفترض أنهم يقفون في نفس الخندق المناهض للانقلاب .

تبرز هنا إشكالية أعمق تتمثل في الركون التام إلى التدخلات الخارجية والانتظار السلبي لقيام القوى الإقليمية والمجتمع الدولي بفرض تسويات تجعل من الجنوب وطناً بديلاً ومقراً دائماً لهم لممارسة السلطة بينما ارضهم محتلة .

الأوطان لا تُمنح كهبات بقرارات دولية والشرعية الحقيقية تُستمد من التواجد الفاعل على الأرض ومواجهة الخصم الحقيقي وليس من منابر استعداء الجنوب ومحاولة فرض وصاية مرفوضة شعبياً .

إن استمرار هذا النهج الانتهازي يحمل تداعيات كارثية يمكن تلخيصها في التالي :

1- ترسيخ سلطة الأمر الواقع من خلال إشغال الرأي العام بمعارك جانبية تمنح المحتل الحقيقي في الشمال مزيداً من الوقت والراحة لإحكام سيطرته .

2- تعميق الفجوة زيادة حالة انعدام الثقة مع الشارع الجنوبي الذي يرى في هذا الخطاب استعلاءً ومحاولة صريحة لمصادرة تضحياته وحقه في تقرير مصيره خصوصا واكثر هذه الاقلام تكتب من الرياض .

3- فقدان المصداقية الدولية المجتمع الدولي يدرك تماماً أن من يعجز عن الدفاع عن منزله وأرضه يفتقر إلى الإرادة السياسية التي تؤهله لإدارة أراضي غيره وان حصل هذا انما لوقت مؤقت تفرضه المصالح الدولية .

لكل الاقلام الشمالية الماجورة إن أقصر الطرق لاستعادة الكرامة السياسية والوطنية يمر حتماً عبر تحرير الشمال وليس عبر استعداء عدن والجنوب لا يمكن بناء مشروع سياسي ناجح على أساس تحويل الجنوب إلى مساحة للتعويض عن الخسارات المتراكمة على هذه النخب أن تستعيد بوصلتها المفقودة وتدرك أن بناء الثقة لا يتحقق إلا باحترام إرادة الجنوبيين وتوجيه كل الجهود والأقلام نحو الخصم الفعلي الذي سلبهم أرضهم وديارهم .

إن الطريق إلى صنعاء لا يمر عبر استعداء عدن ومحاولة تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات أو وطناً بديلاً هي مقامرة خاسرة على النخب الشمالية أن تدرك أن تحرير الأرض يبدأ من ترتيب البيت الداخلي وتركيز الجهود نحو العدو الحقيقي بدلاً من استنزاف الطاقات في معارك جانبية مع شعب يريد تقرير مصيره .

الوطن لا يُمنح كهدية من الخارج والسيادة لا تُستعاد بالضجيج الإعلامي ضد الجنوب .