آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:35ص

حين يفقد الإنسان إيمانه، يفقد طريقه

الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 03:27 ص
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


العالم اليوم لا يعيش أزمة عابرة في السياسة أو الاقتصاد، ولا يمر بمرحلة اضطراب عادي يمكن تجاوزها بإعادة ترتيب التحالفات أو ضخ الأموال أو تغيير الأنظمة. نحن أمام أزمة أعمق من ذلك بكثير؛ أزمة في معنى الحياة ذاته، وأزمة في المرجعية التي تضبط سلوك الإنسان وتمنحه البوصلة التي يهتدي بها في زحام المصالح والقوة والشهوات.

لقد أصبح العالم أسيراً لأزمات طاحنة لأن الإيمان غاب عن الحياة، بوصفه منظومة قيم وضبط داخلي ومعنى وجودي. وحين غاب الإيمان، ضعف الإحساس بالقيم، وتحوّل الإنسان من كائن مسؤول أمام الله إلى كائن يفاوض القيم وفق مصلحته. لم يعد السؤال: هل هذا حق؟ بل أصبح: هل هذا مفيد؟ وهل يحقق لي مكسباً؟ وهل أستطيع الإفلات من المحاسبة؟

وعلى قدر قوة الإيمان يكون انضباط الإنسان بمنظومة القيم.

فالإيمان ليس حالة وجدانية عاطفية، بل نظام رقابة ذاتية. المؤمن يراقب نفسه قبل أن يراقبه القانون، ويخشى الله قبل أن يخشى السلطة، ويزن أفعاله بميزان الآخرة قبل أن يزنها بميزان الربح والخسارة. أما حين يضعف الإيمان، فإن القيم لا تختفي فوراً، لكنها تفقد قدرتها على الإلزام، وتتحول من مبادئ ثابتة إلى شعارات مرنة، ومن أوامر أخلاقية إلى نصائح قابلة للتأجيل والتجاوز.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.

ليس لأن المجتمعات فقدت أخلاقها فجأة، بل لأنها فقدت المرجعية التي تمنح الأخلاق معناها وقدسيتها. فالقيم التي لا تستند إلى الله، تصبح قيماً نسبية، قابلة للتأويل، وقابلة للمساومة، وقابلة للبيع عند أول اختبار مصلحي.

لقد حوربت الأديان السماوية، أو جرى تحييدها عن المجال العام، باسم الحداثة تارة، وباسم الحرية تارة أخرى، وباسم العقلانية تارة ثالثة. لكن ما لم يُقَل بوضوح هو أن العالم لم ينجح في تقديم بديل أخلاقي يمتلك نفس العمق والقوة والقداسة.

فالقانون لا يصنع إنساناً فاضلاً، بل يردع المجرم فقط.

والعقل المجرد لا يخلق ضميراً حياً، بل يبرر المصالح.

والمواثيق الدولية لا تصمد أمام إرادة القوة.

حين كانت القيم مرتبطة بالله: كان الظلم خطيئة، لا مجرد مخالفة.

وكان الكذب ذنباً، لا مجرد حيلة سياسية.

وكان الإنسان مسؤولاً حتى في خلوته.

أما اليوم: فما لا تراه الكاميرا لا يُدان،

وما لا يجرّمه القانون لا يُحاسَب،

وما لا يضر بالمصلحة لا يُسأل عنه.

ولهذا لم يعد غريباً أن تتصاعد وتيرة الشقاء والنكد في حياة الإنسان المعاصر. فالحيرة التي يعيشها ليست حيرة معرفية، بل حيرة وجودية. لا يعرف لماذا يعيش، ولا لماذا يلتزم، ولا لماذا يتعفف، ولا لماذا يضحي.

وحين يفقد الإنسان هذا المعنى: يصبح أسيراً لمصلحته،

ولرغبته،

ولخوفه،

وللقوة الأقوى منه.

ومن هنا نفهم لماذا تتزايد الدعوات إلى الحروب وكأنها حلول للأزمات.

فالعالم الذي عجز عن إصلاح الإنسان، يريد إصلاح الواقع بالقوة.

والعالم الذي فشل في ضبط الضمير، يحاول ضبط السلاح بالسلاح.

والعالم الذي لم يعالج الفراغ الروحي، يهرب إلى ساحات القتال بحثاً عن وهم الخلاص.

الحروب ليست علاجاً لأزمة القيم، بل هي أحد أعراض انهيارها.

هي اعتراف غير مباشر بأن المنظومة المادية فشلت في إدارة الإنسان، فانتقلت من إدارة الحياة إلى إدارة الموت.

المفارقة المؤلمة أن الإنسان اليوم يعالج أزمة أخلاقية بأدوات عسكرية،

ويعالج فراغاً روحياً بمزيد من الدمار،

ويعالج ضياع المعنى بتوسيع دائرة القتل.

ومع ذلك، لا يريد الاعتراف بالحقيقة البسيطة:

أن الحل لا يبدأ من فوهة البندقية،

ولا من طاولة المفاوضات وحدها،

ولا من موازين القوة،

بل يبدأ من الإيمان.

لكن الاعتراف بأن الحل يبدأ من الإيمان يعني أموراً ثقيلة على العقل المعاصر: يعني الاعتراف بأن الإنسان ليس إلهاً.

وأن العقل وحده غير كافٍ.

وأن القوة ليست معيار الحق.

وأن السماء ما زالت مرجعية للأرض.

وهذا ما لا يريد العالم الاعتراف به، لأنه بنى فلسفته الحديثة على مركزية الإنسان، لا على عبوديته لله. أراد أن يكون الإنسان هو المشرّع، والحَكَم، والمرجع الأعلى، فكانت النتيجة أن صار أسيراً لنفسه، لا سيداً عليها.

ومن هنا نفهم أن البشرية لا تعاني فقط من أزمة أخلاق، بل من أزمة إيمان.

وأزمة الإيمان تعني أزمة في معنى الإنسان ذاته.

ولذلك فإن الدفاع عن الدين ليس دفاعاً عن طقس، ولا عن هوية ثقافية، بل دفاع عن آخر ما تبقى من إمكانية لإنقاذ الإنسان من نفسه. والدين الذي يحمل هذه القدرة هو الإسلام، لأنه وحده الذي:

يربط الإنسان بالله توحيداً خالصاً

ويجعل الإيمان بكل الأنبياء والكتب شرطاً لصحة الإيمان.

ويؤسس لمنظومة قيم قائمة على المسؤولية أمام الله واليوم الآخر.

ويجعل الأخلاق عبادة، لا مجرد سلوك اجتماعي.

الإيمان في الإسلام ليس فكرة مجردة، بل نظام حياة:

الله = المرجعية العليا

اليوم الآخر = المحاسبة

القدر = الاتزان النفسي

الرسالة = النموذج الأخلاقي

والكتاب = الميزان

الملائكه = الرقابة

ومن دون هذا البناء الإيماني، تصبح القيم بلا عمود فقري، وتصبح الحضارة بلا روح، ويصبح الإنسان مشروع قوة بلا ضمير.

ولهذا يمكن القول بوضوح: العالم لا يحتاج إلى مزيد من السلاح،

بل إلى مزيد من الإيمان.

ولا يحتاج إلى إعادة رسم الخرائط،

بل إلى إعادة بناء الإنسان.


وما دام الإنسان يرفض أن يبدأ إصلاحه من الإيمان،

فسيظل يبحث عن خلاصه في الحروب،

وسيظل يعالج الجرح بالسكين بدل أن يداويه بالضمير،

وسيظل يدور في حلقة الشقاء والنكد والدمار،

لأنه اختار الطريق الخاطئ لمعالجة أزمات صنعها بيده،

ورفض أن يسلك الطريق الوحيد القادر على إنقاذه:

العودة الصادقة إلى الله.