آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-01:20ص

وداعاً ملك الشعراء والمبدعين… رحل بوسبعة تاركاً إرثاً لا يموت

الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 05:28 م
سعيد خميس بامحسون

بقلم: سعيد خميس بامحسون
- ارشيف الكاتب


كتبه الأسيف/ الشاعر سعيد خميس بامحسون


في عصرية رمضانية هادئة، وبينما أقلب صفحات التواصل الاجتماعي، باغتني خبر فاجع تلقيته بحزن وأسى؛ خبر نزل عليّ وعلى المكلا وحيّ شهيدها، وعلى الأوساط الثقافية في حضرموت والوطن عامة، كالصاعقة: رحيل الشاعر الكبير أحمد سعيد صالح بوسبعة، فارس الكلمات وأميرها، وأحد عمالقة الزمن الجميل، الملقب بـ "ملك الشعراء والمبدعين"، بعد حياة حافلة بالأدب والشعر والعطاء الفني والتربوي والرياضي والوطني، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.


*سيرة أكبر من أن تختزل… وشاعرية فذّة لا تتكرر*

منذ أن بلغني خبر رحيل الشاعر أحمد بوسبعة، أدركت أن سيرته أوسع من أن تختزل في كلمات أو مقال رثائي، لكن دافع المحبة والوفاء لهذا العملاق يدفعني لأن أكتب اعترافاً بحقه وتقديراً لفضله وأدواره المختلفة، فقد كان شخصية متعددة العطاء؛ شاعراً فذاً وملحناً بارعاً عرفته الأوساط الثقافية في حضرموت والوطن مبكراً، وبرز اسمه بين روّاد الشعر الشعبي والفن الحضرمي، ناضل بالكلمة واللحن، وشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ومختلف مناسباتهم، فكان قريباً منهم ومحبوباً لديهم، وإلى جانب شعره وتلحينه، كان شخصية اجتماعية وتربوية ورياضية وإدارية، فقد لعب في نادي شباب المكلا خلال ستينيات القرن الماضي، وتقلّد مسؤوليات عديدة، منها رئاسته لفرقة الأنوار الموسيقية والندوة الموسيقية الحضرمية، وعمله مستشاراً لجمعية فناني حضرموت للغناء والموسيقى، ويعد امتداد لسلسلة الشعراء الكبار الذين أنجبتهم المكلا، مثل باحريز وبانبوع وبامحيسون وبكير وباحكم والمفلحي والعيدروس وغيرهم، فقد جاء ليكمل هذا السلك المضيء لا مقلداً ولا تابعاً، بل مبدعاً يحمل بصمته المميزة وصوته المتفرّد الخاص به.


*تكريمات مستحقة... وتخليد لاسم لا يُنسى*

نال الشاعر بوسبعة تكريمات عديدة خلال مسيرته، تقديراً لشاعريته ودوره في إثراء المشهد الثقافي في حضرموت والوطن، من أبرزها: درع صنعاء عاصمة الثقافة العربية عام 2004م، وتذكار وزارة الثقافة عام 2008م، وفعالية خاصة باسمه بعنوان "ملك الشعراء والمبدعين"، إضافة إلى تكريمه في بطولة كأس حضرموت الثقافية الرابعة، كما صدر كتاب عن وزارة الثقافة وبيت الثقافة بصنعاء بعنوان "ملك الشعراء والمبدعين"، احتوى على سيرته ومحطات من حياته ونماذج من قصائده، وقدمه وزير الثقافة الدكتور محمد أبوبكر المفلحي بكلمة قال فيها: «إن تكريم الشاعر بوسبعة هو تكريم للإبداع والكلمة الحرة.»

ولم يقتصر التكريم على الفعاليات والكتب، بل امتد إلى تخليد اسمه في المكان؛ إذ أصدر محافظ حضرموت خالد الديني قراراً بتسمية الشارع الرئيس الممتد من منطقة خلف الصناعية بحي الشهيد بمدينة المكلا وصولاً إلى حي الصيادين باسم:

"شارع الشاعر الكبير أحمد سعيد صالح بوسبعة".

اعترافاً بمكانته كأحد أعمدة الأدب الشعبي في حضرموت والمكلا، وتوثيقاً لعطائه، وإجلالاً لشاعرٍ حمل اسم مدينته في قصائده، فردّت له المدينة الجميل بأن حملت اسمه في أحد أهم شوارعها، ليبقى حاضراً في الذاكرة والوجدان.


*ديوانه "شوقتني المكلا… كيف لا أشتاق"*

من أبرز أعماله ديوانه الشعري "شوقتني المكلا...كيف لا أشتاق"، مستوحياً اسمه من قصيدته الشهيرة التي تغنّى بها الفنان سالم علي بازياد، وأصبحت علامة بارزة في عشق المكلا والشوق إليها والتي يقول فيها:

شوقتني المكلا وكيف لا… أشتاق

شوقتني المجالس وزادت… الأشواق

هيا عسى بالتلاق يا فرحة… المشتاق

وقد جرى إشهار الديوان في فعالية خاصة نظمها منتدى ملك الشعراء والمبدعين بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والقيادات وجمع من محبيه، ويضم الديوان فصولاً متنوعة تشمل سيرته، ما قيل عنه، الأغاني، المقاطع والألغاز، المناسبات، الموشحات الدينية، أهازيج الأطفال، ووقفة وفاء للرياضة والرياضيين.


*إبداع تغنّى به الكبار… ولحّن للكلمة والوجدان*

تغنّى بكلمات شاعرنا عدد من كبار فناني حضرموت والوطن، منهم: الفنان كرامة مرسال، الفنان محفوظ بن بريك، الفنان الدكتور عبدالرب إدريس، الفنان سالم علي بازياد الذي شكل ثنائي مع شاعرنا في أكثر من عمل وغيرهم ممن وجدوا في شعره مادة ثرية تستحق أن تُغنّى وتُخلّد، ولم يكن بوسبعة شاعراً فقط، بل امتلك موهبة فريدة في التلحين، جعلته قادراً على صياغة الجملة اللحنية كما يصوغ الكلمة الشعرية، فيمنح القصيدة روحاً إضافية ويجعلها أقرب إلى القلب وأعمق في الوجدان، جمع بين الكلمة واللحن، بين الحس الشعري والذائقة الموسيقية، فخرجت أعماله متكاملة تحمل بصمته الخاصة ولونه الجميل، إلى جانب ما لحّنه العديد من الملحنين البارزين، وفي مقدمتهم الموسيقار أحمد بن غودل والفنان الملحن علي سعيد علي.


*شاعر المناسبات… وصوت المجتمع*

كان فقيدنا حاضراً في وجدان الناس قبل أن يكون حاضراً في المنصات، فقد شارك في الكثير من المناسبات والفعاليات، ومنها المناسبات الدينية بروحه الوقورة وكلماته العميقة، والتي كثيراً ما كان يحكي عنها، خصوصاً ما يتصل بحضوره أمام مفتي الديار الحضرمية السيد عبدالله بن محفوظ الحداد، وإلقائه القصائد الدينية التي يمدح فيها رسول الله ويتناول بها المناسبات الدينية المختلفة في مسجد الروضة وغيره، كما كان حاضراً في الفعاليات الثقافية والتراثية، وفي الأمسيات الفنية والوطنية وكان له حضور واسع أيضاً في الندوات والفعاليات الدعوية والشبابية، ومنها ما يخص فعاليات المنتديات والجمعيات والبطولات الرياضية، كما لم يتخلّف عن تأبين رموز حضرموت ورجالها، وفاءاً منه لدورهم وجهودهم.


*لقاءاتي الأولى معه… وملامح شاعرٍ لا يُنسى*

كانت معرفتي به أول الأمر من خلال حفل في ملعب السلة بنادي المكلا، حيث حضرت ضمن فريق مؤسسة إضاءات ميديا الإعلامية التي أسسها الأستاذ عمر محمد الجيلاني راعي الحفل إعلامياً آنذاك، وفي ذلك اليوم صعد إلى المنصة رجلٌ مهيب، ثابت الحضور، يتحدث عن محطات من حياته ويلقي أبياتاً تعبّر عن المناسبة، فشعرت منذ اللحظة الأولى أنني أمام واحد من كبار الشعراء الحضارمة؛ في صوته نبرة الحكمة، وفي كلماته أثر التجربة.

ثم تكررت لقاءاتي به في مسجد الروضة ومسجد الغالبي، وأحياناً في أحد المحلات الواقعة بين مسجد الروضة ومسجد عمر، حيث كان يجلس في الصباح، وكنت أعرّف بنفسي في كل مرة كشاعر شاب محب لشعره، خصوصاً قصيدته الشهيرة «تعلموا الفتوى» المرتبطة بأحداث 13 يناير، كما رواها لي والدي الشاعر خميس بامحسون والتي يقول في مطلعها:

تعلموا الفتوى فتوا حالات ماهي باتله مرة

تعلموا الفتوى نسوا عصات فيها قاتلة مُرّة

غشوا الزمن قالوا زمن ياناس فيه جفوة

غشوا الزمن وانهالت اللطمات والحفوة

كلين يفتي…

في المنترة هرول ومال… في المنترة قض الكمال

وراحت الناس في زحمة الأيام والفتوى كلين يفتي.

وقد أخبرني الوالد أن تلك الفترة شهدت بروز نصوص سياسية لكبار الشعراء مثل حسين أبوبكر المحضار وسالم أحمد بامطرف ومحمد محفوظ سكران الكالف وغيرهم، وأن قصيدة بوسبعة نزلت في شريط واحد مع قصائدهم، وهو ما يعكس مكانته وحضوره بين كبار شعراء حضرموت.

وفي هذه القصيدة بيتٌ صار مثلاً يتداوله الناس إلى اليوم، وهو قوله:

"لي ما نفع أهله محالَه ينفع الجيرة."

أما انطباعي عنه، فكان رجلاً رحباً، حسن الحديث، مشجعاً للمواهب، له هيبة حين يتحدث ووقار حين يصغي، احببت شعره وحديثه ومواقفه وحكاياته، ورأيت فيه نموذجاً ملهماً نفخر ونعتز به كشباب ومبدعين، سمعته غير مرة يلقي من شعره وكلماته، وذات يوم قرأت عليه قصيدة لي مطلعها:

«كلام البارحة تغيّر…»

وهي القصيدة التي لحنها أكثر من فنان، ومنهم الفنان الكبير محمد صالح بن حميد، استمع إليها باهتمام، وابتسم ابتسامة تحمل تقدير الكبار وتشجيع المتمرسين، فكانت لحظة لا تُنسى.


*رحيله… خسارة لا تعوّض*

الكلام عن شاعرنا يطول؛ عن سيرته ومناقبه وإرثه الشعري والفني فهو مدرسة شعرية لا تشبه إلا بوسبعة نفسه، متفرّدٌ بها، متميّزٌ فيها، وبرحيله خسرت المكلا، والوطن عامة، أحد كبار شعراء الزمن الجميل، وشخصية اجتماعية سيشعر الناس بفقدها حقاً، وقد رحل في هدوء، تاركًا سيرةً عطرةً وإرثاً خالداً، وكانت وفاته يوم السبت 28 فبراير 2026م، الموافق 11 رمضان 1447هـ، وصُلّي عليه في مسجد الروضة بعد صلاة العشاء، ثم دُفن بعد صلاة التراويح في مقبرة الشيخ يعقوب، في مشهد وداع مهيب اختلط فيه الدعاء بالدموع.

رحمه الله رحمة الأبرار، وبوّأه دار القرار، وأحسن مثواه، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجزاه عن حضرموت وأهلها خير الجزاء.


وداعاً ملك الشعراء والمبدعين… رحل بوسبعة تاركاً إرثاً لا يموت


كتبه الأسيف/ الشاعر سعيد خميس بامحسون

المكلا – حضرموت

الأحد الموافق 1 مارس 2026م


في عصرية رمضانية هادئة، وبينما أقلب صفحات التواصل الاجتماعي، باغتني خبر فاجع تلقيته بحزن وأسى؛ خبر نزل عليّ وعلى المكلا وحيّ شهيدها، وعلى الأوساط الثقافية في حضرموت والوطن عامة، كالصاعقة: رحيل الشاعر الكبير أحمد سعيد صالح بوسبعة، فارس الكلمات وأميرها، وأحد عمالقة الزمن الجميل، الملقب بـ "ملك الشعراء والمبدعين"، بعد حياة حافلة بالأدب والشعر والعطاء الفني والتربوي والرياضي والوطني، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.


*سيرة أكبر من أن تختزل… وشاعرية فذّة لا تتكرر*

منذ أن بلغني خبر رحيل الشاعر أحمد بوسبعة، أدركت أن سيرته أوسع من أن تختزل في كلمات أو مقال رثائي، لكن دافع المحبة والوفاء لهذا العملاق يدفعني لأن أكتب اعترافاً بحقه وتقديراً لفضله وأدواره المختلفة، فقد كان شخصية متعددة العطاء؛ شاعراً فذاً وملحناً بارعاً عرفته الأوساط الثقافية في حضرموت والوطن مبكراً، وبرز اسمه بين روّاد الشعر الشعبي والفن الحضرمي، ناضل بالكلمة واللحن، وشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ومختلف مناسباتهم، فكان قريباً منهم ومحبوباً لديهم، وإلى جانب شعره وتلحينه، كان شخصية اجتماعية وتربوية ورياضية وإدارية، فقد لعب في نادي شباب المكلا خلال ستينيات القرن الماضي، وتقلّد مسؤوليات عديدة، منها رئاسته لفرقة الأنوار الموسيقية والندوة الموسيقية الحضرمية، وعمله مستشاراً لجمعية فناني حضرموت للغناء والموسيقى، ويعد امتداد لسلسلة الشعراء الكبار الذين أنجبتهم المكلا، مثل باحريز وبانبوع وبامحيسون وبكير وباحكم والمفلحي والعيدروس وغيرهم، فقد جاء ليكمل هذا السلك المضيء لا مقلداً ولا تابعاً، بل مبدعاً يحمل بصمته المميزة وصوته المتفرّد الخاص به.


*تكريمات مستحقة... وتخليد لاسم لا يُنسى*

نال الشاعر بوسبعة تكريمات عديدة خلال مسيرته، تقديراً لشاعريته ودوره في إثراء المشهد الثقافي في حضرموت والوطن، من أبرزها: درع صنعاء عاصمة الثقافة العربية عام 2004م، وتذكار وزارة الثقافة عام 2008م، وفعالية خاصة باسمه بعنوان "ملك الشعراء والمبدعين"، إضافة إلى تكريمه في بطولة كأس حضرموت الثقافية الرابعة، كما صدر كتاب عن وزارة الثقافة وبيت الثقافة بصنعاء بعنوان "ملك الشعراء والمبدعين"، احتوى على سيرته ومحطات من حياته ونماذج من قصائده، وقدمه وزير الثقافة الدكتور محمد أبوبكر المفلحي بكلمة قال فيها: «إن تكريم الشاعر بوسبعة هو تكريم للإبداع والكلمة الحرة.»

ولم يقتصر التكريم على الفعاليات والكتب، بل امتد إلى تخليد اسمه في المكان؛ إذ أصدر محافظ حضرموت خالد الديني قراراً بتسمية الشارع الرئيس الممتد من منطقة خلف الصناعية بحي الشهيد بمدينة المكلا وصولاً إلى حي الصيادين باسم:

"شارع الشاعر الكبير أحمد سعيد صالح بوسبعة".

اعترافاً بمكانته كأحد أعمدة الأدب الشعبي في حضرموت والمكلا، وتوثيقاً لعطائه، وإجلالاً لشاعرٍ حمل اسم مدينته في قصائده، فردّت له المدينة الجميل بأن حملت اسمه في أحد أهم شوارعها، ليبقى حاضراً في الذاكرة والوجدان.


*ديوانه "شوقتني المكلا… كيف لا أشتاق"*

من أبرز أعماله ديوانه الشعري "شوقتني المكلا...كيف لا أشتاق"، مستوحياً اسمه من قصيدته الشهيرة التي تغنّى بها الفنان سالم علي بازياد، وأصبحت علامة بارزة في عشق المكلا والشوق إليها والتي يقول فيها:

شوقتني المكلا وكيف لا… أشتاق

شوقتني المجالس وزادت… الأشواق

هيا عسى بالتلاق يا فرحة… المشتاق

وقد جرى إشهار الديوان في فعالية خاصة نظمها منتدى ملك الشعراء والمبدعين بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والقيادات وجمع من محبيه، ويضم الديوان فصولاً متنوعة تشمل سيرته، ما قيل عنه، الأغاني، المقاطع والألغاز، المناسبات، الموشحات الدينية، أهازيج الأطفال، ووقفة وفاء للرياضة والرياضيين.


*إبداع تغنّى به الكبار… ولحّن للكلمة والوجدان*

تغنّى بكلمات شاعرنا عدد من كبار فناني حضرموت والوطن، منهم: الفنان كرامة مرسال، الفنان محفوظ بن بريك، الفنان الدكتور عبدالرب إدريس، الفنان سالم علي بازياد الذي شكل ثنائي مع شاعرنا في أكثر من عمل وغيرهم ممن وجدوا في شعره مادة ثرية تستحق أن تُغنّى وتُخلّد، ولم يكن بوسبعة شاعراً فقط، بل امتلك موهبة فريدة في التلحين، جعلته قادراً على صياغة الجملة اللحنية كما يصوغ الكلمة الشعرية، فيمنح القصيدة روحاً إضافية ويجعلها أقرب إلى القلب وأعمق في الوجدان، جمع بين الكلمة واللحن، بين الحس الشعري والذائقة الموسيقية، فخرجت أعماله متكاملة تحمل بصمته الخاصة ولونه الجميل، إلى جانب ما لحّنه العديد من الملحنين البارزين، وفي مقدمتهم الموسيقار أحمد بن غودل والفنان الملحن علي سعيد علي.


*شاعر المناسبات… وصوت المجتمع*

كان فقيدنا حاضراً في وجدان الناس قبل أن يكون حاضراً في المنصات، فقد شارك في الكثير من المناسبات والفعاليات، ومنها المناسبات الدينية بروحه الوقورة وكلماته العميقة، والتي كثيراً ما كان يحكي عنها، خصوصاً ما يتصل بحضوره أمام مفتي الديار الحضرمية السيد عبدالله بن محفوظ الحداد، وإلقائه القصائد الدينية التي يمدح فيها رسول الله ويتناول بها المناسبات الدينية المختلفة في مسجد الروضة وغيره، كما كان حاضراً في الفعاليات الثقافية والتراثية، وفي الأمسيات الفنية والوطنية وكان له حضور واسع أيضاً في الندوات والفعاليات الدعوية والشبابية، ومنها ما يخص فعاليات المنتديات والجمعيات والبطولات الرياضية، كما لم يتخلّف عن تأبين رموز حضرموت ورجالها، وفاءاً منه لدورهم وجهودهم.


*لقاءاتي الأولى معه… وملامح شاعرٍ لا يُنسى*

كانت معرفتي به أول الأمر من خلال حفل في ملعب السلة بنادي المكلا، حيث حضرت ضمن فريق مؤسسة إضاءات ميديا الإعلامية التي أسسها الأستاذ عمر محمد الجيلاني راعي الحفل إعلامياً آنذاك، وفي ذلك اليوم صعد إلى المنصة رجلٌ مهيب، ثابت الحضور، يتحدث عن محطات من حياته ويلقي أبياتاً تعبّر عن المناسبة، فشعرت منذ اللحظة الأولى أنني أمام واحد من كبار الشعراء الحضارمة؛ في صوته نبرة الحكمة، وفي كلماته أثر التجربة.

ثم تكررت لقاءاتي به في مسجد الروضة ومسجد الغالبي، وأحياناً في أحد المحلات الواقعة بين مسجد الروضة ومسجد عمر، حيث كان يجلس في الصباح، وكنت أعرّف بنفسي في كل مرة كشاعر شاب محب لشعره، خصوصاً قصيدته الشهيرة «تعلموا الفتوى» المرتبطة بأحداث 13 يناير، كما رواها لي والدي الشاعر خميس بامحسون والتي يقول في مطلعها:

تعلموا الفتوى فتوا حالات ماهي باتله مرة

تعلموا الفتوى نسوا عصات فيها قاتلة مُرّة

غشوا الزمن قالوا زمن ياناس فيه جفوة

غشوا الزمن وانهالت اللطمات والحفوة

كلين يفتي…

في المنترة هرول ومال… في المنترة قض الكمال

وراحت الناس في زحمة الأيام والفتوى كلين يفتي.

وقد أخبرني الوالد أن تلك الفترة شهدت بروز نصوص سياسية لكبار الشعراء مثل حسين أبوبكر المحضار وسالم أحمد بامطرف ومحمد محفوظ سكران الكالف وغيرهم، وأن قصيدة بوسبعة نزلت في شريط واحد مع قصائدهم، وهو ما يعكس مكانته وحضوره بين كبار شعراء حضرموت.

وفي هذه القصيدة بيتٌ صار مثلاً يتداوله الناس إلى اليوم، وهو قوله:

"لي ما نفع أهله محالَه ينفع الجيرة."

أما انطباعي عنه، فكان رجلاً رحباً، حسن الحديث، مشجعاً للمواهب، له هيبة حين يتحدث ووقار حين يصغي، احببت شعره وحديثه ومواقفه وحكاياته، ورأيت فيه نموذجاً ملهماً نفخر ونعتز به كشباب ومبدعين، سمعته غير مرة يلقي من شعره وكلماته، وذات يوم قرأت عليه قصيدة لي مطلعها:

«كلام البارحة تغيّر…»

وهي القصيدة التي لحنها أكثر من فنان، ومنهم الفنان الكبير محمد صالح بن حميد، استمع إليها باهتمام، وابتسم ابتسامة تحمل تقدير الكبار وتشجيع المتمرسين، فكانت لحظة لا تُنسى.


*رحيله… خسارة لا تعوّض*

الكلام عن شاعرنا يطول؛ عن سيرته ومناقبه وإرثه الشعري والفني فهو مدرسة شعرية لا تشبه إلا بوسبعة نفسه، متفرّدٌ بها، متميّزٌ فيها، وبرحيله خسرت المكلا، والوطن عامة، أحد كبار شعراء الزمن الجميل، وشخصية اجتماعية سيشعر الناس بفقدها حقاً، وقد رحل في هدوء، تاركًا سيرةً عطرةً وإرثاً خالداً، وكانت وفاته يوم السبت 28 فبراير 2026م، الموافق 11 رمضان 1447هـ، وصُلّي عليه في مسجد الروضة بعد صلاة العشاء، ثم دُفن بعد صلاة التراويح في مقبرة الشيخ يعقوب، في مشهد وداع مهيب اختلط فيه الدعاء بالدموع.

رحمه الله رحمة الأبرار، وبوّأه دار القرار، وأحسن مثواه، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجزاه عن حضرموت وأهلها خير الجزاء.


/