آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-04:38م

بين رماد الحروب ومخاض العالم الجديد

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 03:09 م
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب


لا تنتهي الحروب حين يصمت الرصاص بل تبدأ بعدها فصول أشد قسوة من الدمار الصامت الذي ينهش حياة الشعوب ببطء فالحرب لا تقتل الجنود وحدهم، بل تفتك بالاقتصاد وتكسر توازن المجتمعات، وتترك خلفها أرضا مثقلة بالأزمات، وواقعا يضج بالفقر والبطالة والتضخم وانهيار الخدمات وما إن تنتهي المعارك العسكرية حتى تبدأ معركة البقاء اليومية، حيث يدفع البسطاء وحدهم ثمن صراعات لم يختاروها.


في أعقاب كل حرب ترتفع الأسعار كأنها تبحث عن سقف جديد للمعاناة وتتآكل العملات الوطنية، وتتوقف عجلة المشاريع التنموية وتهاجر الاستثمارات إلى مناطق أكثر استقرارا وحين تضيق فرص العمل، تتسع دائرة الفقر ويجد ملايين الناس أنفسهم في مواجهة حياة قاسية بلا ضمانات ولا أفق واضح الأكثر ألمًا أن الطبقات المعدمة هي أول من يصاب بالانكسار وآخر من يتعافى، فهي لا تملك احتياطات مال

ية ولا شبكات حماية اجتماعية، فتتحول الحرب بالنسبة لها من حدث سياسي إلى مأساة يومية مفتوحة.


العالم اليوم لا يعيش مجرد أزمات متفرقة بل يقف على أعتاب تحول تاريخي يعيد رسم موازين القوة والنفوذ القوى الكبرى تعيد ترتيب تحالفاتها، وتبني أنظمة اقتصادية جديدة وتسعى للسيطرة على مصادر الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية إننا نشهد مخاض ولادة عالم مختلف تتغير فيه قواعد التأثير، وتعاد صياغة مفهوم الهيمنة وتكتب خرائط النفوذ بلغة المصالح لا الشعارات.


وسط هذا التحول الكبير يبرز السؤال العربي والإسلامي المؤجل دائمًا: أين موقعنا في هذا العالم القادم؟ هل سنكون شركاء في صناعة التوازنات الدولية، أم مجرد ساحات للصراع وممرات للمصالح؟ هل نملك مشروعا حضاريا واقتصاديا يعيد حضورنا، أم سنظل أسرى ردود الأفعال، ننتظر ما تقرره العواصم الكبرى بشأن مصيرنا؟

التاريخ يعلمنا أن الفراغ لا يبقى فارغا وأن من لا يصنع موقعه بنفسه يصنع له موقع على هامش الآخرين الأمم التي تخرج من الحروب قوية ليست تلك التي لم تتألم، ب

ل تلك التي حولت الألم إلى وعي، والخسارة إلى مراجعة والانهيار إلى بداية جديدة أما الأمم التي تبقى أسيرة خلافاتها الداخلية وصراعاتها الصغيرة فإنها تتحول بسهولة إلى أوراق تفاوض في يد الكبار.


العالم الجديد لن ينتظر المترددين ولن يمنح مكانة مجانية لأحد النفوذ اليوم يبنى بالاقتصاد والعلم والاستقرار السياسي والقدرة على إدارة الموارد البشرية قبل الطبيعية والتحدي الحقيقي أمام العالم العربي والإسلامي ليس فقط في تجنب آثار الحروب، بل في امتلاك رؤية مشتركة تضع الإنسان والتنمية والمعرفة في صدارة الأولويات.


الخطر الأكبر ليس أن نتعرض للأزمات فكل الأمم تمر بالأزمات بل أن نبقى بلا مشروع جامع يحمينا من التحول إلى غنائم تتقاسمها القوى المتنافسة فحين تغيب الوحدة الاستراتيجية ويضعف التنسيق الاقتصادي والسياسي، تصبح الجغرافيا عبئًا بدل أن تكون مصدر قوة، وتتحول الثروات إلى أسباب للصراع بدل أن تكون جسورا للنهوض.


ورغم قتامة المشهد فإن الفرصة ما تزال قائمة فالعالم في لحظة إعادة تشكيل، وهذه اللحظات التاريخية تفتح أبوابا لمن يملك الإرادة والرؤية يمكن للعالم العربي والإسلامي أن يكون رقما فاعلًا إذا استثمر في الإنسان، ووحد مصالحه، وابتعد عن الصراعات العبثية التي استنزفت طاقاته لعقود طويلة.


إن ما بعد الحروب ليس نهاية التاريخ بل بدايته الحقيقية فإما أن نكون جزءا من صناعة المستقبل، أو مجرد مساحة يتقاسمها الآخرون وفق مصالحهم وفي زمن التحولات الكبرى، لا يحمي الأمم إلا وعيها بذاتها، ولا يصنع مكانتها إلا قدرتها على أن تكون فاعلة لا متفرجة شريكة لا غنيمة.