آخر تحديث :الجمعة-20 مارس 2026-12:11ص

تهامة العثمانية

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 05:49 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


على مدى أعوام، يعود برنامج خاطرك مجبور ليضع الكاميرا في وجه الحقيقة العارية في تهامة. لا جديد في العنوان، ولا مفاجأة في المضمون؛ الجديد فقط هو اتساع الجرح، وازدياد عمقه، وتضاعف عدد الضحايا الصامتين. كأن البرنامج يؤدي مهمةً يفترض أن تكون بديهية لأي دولة تحترم نفسها كشف الفساد، وفضح النهب، وتعرية التهميش الذي حوّل واحدة من أغنى مناطق اليمن إلى خزانٍ مفتوحٍ للبؤس. أي مفارقةٍ هذه التي تجعل أرضًا تمتد بساحلٍ طويلٍ وثرواتٍ زراعية وسمكية هائلة، تتحول إلى مساحةٍ من العطش والجوع والمرض ؟ أي عبثٍ هذا الذي يحوّل نعمة الجغرافيا إلى نقمةٍ على أهلها ؟ في كل موسم، يعرض البرنامج مشاهد لا تحتاج إلى تعليق قرىً تغرق في الظلام، طرقٌ ترابية كأنها خارجة من زمنٍ منسي، مدارس في العراء تحت ظلّ الأشجار بلا نوافذ ولا مقاعد، مراكز صحية أقرب إلى غرف مهجورة منها إلى مؤسسات علاج. أما الماء وهو أبسط حقوق الإنسان فهو في تهامة رفاهية. كثير من الآبار التي يعتمد عليها الناس تعود إلى زمن الدولة العثمانية، وقد أكلها الصدأ وردمها الإهمال حتى صارت غير صالحة للاستهلاك. تخيّل أن منطقةً بأكملها في القرن الحادي والعشرين لا تزال تعيش على بنيةٍ تحتيةٍ تعود إلى قرون مضت، بينما مليارات الريالات تُهدر في صفقاتٍ ومشاريع لا ترى النور إلا في نشرات الأخبار. المأساة ليست قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لفسادٍ منظم. ليست مجرد أخطاء إدارية، بل سياسة إقصاء ممنهجة. أنظمة تعاقبت على الحكم، شعارات تغيّرت، وجوه تبدّلت، لكن النتيجة واحدة تهامة خارج حسابات التنمية، خارج أولويات التخطيط، خارج خرائط العدالة. كأنها ليست جزءًا من الوطن، بل هامشٌ جغرافي يُستحضر فقط عند الحاجة إلى الموارد أو الأصوات. الأكثر قسوة أن ثروات تهامة لا تُترك معطلة، بل تُستغل بمهارة لصالح شبكات نفوذ تعرف جيدًا كيف تحوّل الخيرات العامة إلى أرباح خاصة. الموانئ والسواحل والثروات الزراعية تُدار بعقلية الغنيمة، لا بعقلية الشراكة الوطنية. بينما ينعم سارقوها بالقصور والسيارات الفارهة، يعيش أهل الأرض في بيوتٍ من عشش أو طينٍ أو صفيح، يصارعون الفقر والبطالة والأوبئة. الفقر هناك ليس رقمًا في تقرير، بل حياة يومية أمٌّ تقتصد في وجبة أطفالها، شابٌّ يبحث عن عملٍ فلا يجد، مريضٌ يموت لأن أقرب مستشفى مجهّز يبعد مئات الكيلومترات. التعليم ؟ مبانٍ متهالكة ومعلمون بلا رواتب منتظمة. الصحة ؟ نقصٌ في الأدوية والمعدات والكوادر. الغذاء ؟ يعتمد على مساعداتٍ متقطعة لا تكفي لسد الرمق. أي دولة هذه التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من الكرامة لمواطنيها ؟ الصور التي يبثها “خاطرك مجبور” ليست استثناءات، بل القاعدة. ليست حالات فردية، بل نمطٌ متكرر. ومع ذلك، تمرّ السنوات، ويستمر الإهمال، وكأن الاعتياد على المأساة أصبح جزءًا من المشهد. الأخطر من الفساد هو التطبيع معه؛ أن يصبح نهب الثروات أمرًا مفهومًا ضمنيًا، وأن يتحول التهميش إلى واقعٍ مقبول. إن ما يحدث في تهامة ليس مجرد خللٍ تنموي، بل اختبارٌ أخلاقي فشلت فيه الدولة بكل مكوناتها. فالدولة التي لا تستطيع حماية حقوق مواطنيها الأساسية، ولا تضمن لهم الماء والتعليم والصحة، تفقد جوهر شرعيتها. التنمية ليست مهرجان قصّ شريط، ولا لوحة حجر أساس، بل شبكة طرق، ومياه صالحة للشرب، ومدارس آمنة، ومستشفيات تعمل.

النقد هنا ليس مبالغة، بل أقلّ مما يقتضيه حجم الجرح. لأن السكوت يعني المشاركة، والتبرير يعني التواطؤ. تهامة لا تطلب امتيازًا، بل حقًا. لا تطلب صدقة، بل عدالة. لا تريد شفقة الكاميرا، بل قرارًا سياسيًا شجاعًا يضع حدًا لسنوات النهب والتجاهل. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح إلى متى ستبقى الكاميرا أصدق من المؤسسات ؟ إلى متى سيظل برنامج تلفزيوني يقوم بدور أجهزة رقابية وتنفيذية كاملة ؟ وإذا كانت الحقيقة تُعرض علنًا كل عام، فلماذا لا يتحول الغضب الشعبي إلى إصلاحٍ فعلي، ولماذا لا تتحول التقارير إلى خطط إنقاذ ملزمة ؟ إن تهامة ليست ظلًا على خارطة اليمن، بل شريانًا حيويًا في جسده. وأي حديث عن مستقبلٍ أفضل لليمن دون إنصاف تهامة هو مجرد وهمٍ سياسي. العدالة تبدأ من الأطراف المنسية، من القرى العطشى، من المدارس المهدمة، من العائلات التي تنتظر منذ عقود أن تُعامل كمواطنين لا كأرقام هامشية. لقد آن الأوان أن يتوقف مسلسل البكاء السنوي، وأن يتحول الغضب إلى فعل، والفضح إلى محاسبة، والكشف إلى تغيير حقيقي. لأن استمرار هذا الواقع ليس فقط فشلًا إداريًا، بل وصمة عار وطنية لا يمحوها خطاب، ولا يغسلها بيان.