آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-12:52ص

كُلٌّ مِنْ بَعْض

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 10:08 م
سناء العطوي

بقلم: سناء العطوي
- ارشيف الكاتب


لَيْسَ فينَا مَنْ هوَ واحدٌ تماماً.

نحْنُ الحشدُ الذي يَمشي في خُطى المنفردِ،

ونحْنُ القافلةُ التي ضلَّتْ طريقَها في صحراءِ الذاتِ،

فصارَ لكلِّ غريبٍ فينا ملامحُنا، وصارَ لنا هواءُ الغُرباءْ.

أنا منكَ.

مِنْ ضحكتِكَ التي سقطتْ سَهواً في فنجانِ قَهوتي،

ومِنْ حُزنِكَ الذي تسلَّقَ جدارَ بيتي كالياسمينِ البرّي.

لا تقلْ: هذا أنا،

بل قُلْ: هذا بعضٌ ممّا تركهُ الآخرونَ فيَّ.

فنحنُ مدينونَ بملامحنا لعيونِ الذينَ أحببناهمْ،

وبصلابتنا لضرباتِ الذينَ خذلونا،

وبصمتنا للبلادِ التي لم تتركْ لنا من لغتها سوى الصدى.

على هذهِ الأرضِ ما يستحقُّ الاقتسام:

الرغيفُ، والقصيدةُ، وظِلُّ السحابَة.

لا ينمو القمحُ وحيداً،

ولا يموتُ الشهيدُ وحيداً،

إنهُ يأخذُ معهُ قِطعةً من سماءِ أمِّه،

ويتركُ لنا في الأرضِ بعضاً من عنادِه.

هكذا نصيرُ نحنُ..

خَلِيطاً من نسيانٍ وذاكرة،

من ترابٍ جُبِلَ بدموعِ العابرين،

فما الجسدُ إلا استعارةٌ لروحٍ موزَّعةٍ على الأصدقاء.

يا غريبُ..

خُذْ منّي ما شِئتَ لِتكتمل،

خُذْ صَوْتي لتبدأَ نشيدَك،

خُذْ خيبتي لتعرفَ طريقَ نصرِك،

فأنا لستُ لي، وأنتَ لستَ لك،

نحنُ صرخةٌ واحدةٌ توزّعتْ في حنجرةِ المدى،

نحنُ كُلٌّ تألَّفَ من بَعضِ الحنينِ،

ومن بَعضِ الغيابْ..

كأنَّنا خيوطٌ في ثوبِ الأبدية،

كلما انقطعَ خيطٌ، توجّعَ القماشُ كلُّه.

نحنُ كُلٌّ مِنْ بَعْض..

أنا أنتَ في مَكانٍ آخَر،

وأنتَ أنا في زمانٍ قادم.

فلا تبتعد كثيراً،

كي لا أفقدَ جُزئيَ الذي يَمشي.. بينَ يديك.