في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد، لم يعد مطلب الموظف رفاهيةً أو طموحًا بتحسين مستوى المعيشة، بل أصبح حلمه أن يحصل على راتب يكفيه الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة. وبينما تتكدس الأعباء على كاهله، تتسع الفجوة بين ما يتقاضاه وبين ما يُصرف من امتيازات ومخصصات لقيادات الدولة ومؤسساتها العليا.
الموظف اليوم يقف أمام معادلة مختلة؛ راتب بالكاد يغطي جزءًا من احتياجات شهر، إن لم ينفد في نصفه الأول، مقابل أرقام كبيرة تُتداول عن مخصصات وإعاشات وامتيازات تُصرف لكبار المسؤولين وأعضاء المجالس المختلفة. هذا التفاوت لم يعد مجرد أرقام في كشوفات مالية، بل تحول إلى شعور عام بالظلم والإحباط، وإحساس بأن ميزان العدالة يميل بعيدًا عن البسطاء.
العدالة التي ينادي بها المواطن ليست شعارًا سياسيًا، بل مبدأ دستوري وأخلاقي. حين يؤدي المسؤول القسم على رعاية مصالح الشعب، فإن ذلك يتطلب سياسات عادلة في توزيع الموارد، وضبط النفقات، ومراجعة الامتيازات، وربط الأجور بمستوى المعيشة الحقيقي. فلا يُعقل أن تتآكل قيمة رواتب الموظفين بفعل التضخم وانهيار العملة، بينما تبقى مخصصات بعض القيادات في مأمن من أي تقشف أو إعادة نظر.
إن الفجوة بين دخل الموظف ونفقات أسرته اليومية باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي، فأسعار الغذاء والدواء والتعليم في تصاعد مستمر، والراتب ثابت أو متآكل القيمة. الموظف الذي يخدم الدولة لعقود لا ينبغي أن يجد نفسه عاجزًا عن توفير احتياجات أطفاله الأساسية، بينما يرى صور البذخ والامتيازات في المشهد العام.
العدالة المطلوبة اليوم تبدأ بإصلاح حقيقي في هيكل الرواتب، ومراجعة شاملة لامتيازات القيادات العليا، وتوحيد سلم الأجور، وضمان صرف المرتبات بانتظام. كما تتطلب شفافية في الموازنة العامة، وإعلانًا واضحًا لبنود الإنفاق، حتى يشعر المواطن أن المال العام يُدار بروح المسؤولية لا بروح الامتياز.
إن استمرار هذا التفاوت دون معالجة جادة قد يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالصبر ليس موردًا لا ينفد، والكرامة الإنسانية ليست قابلة للمساومة. العدالة، وإن تأخرت، تظل مطلبًا مشروعًا وحقًا أصيلًا لكل موظف يكدح من أجل لقمة عيشه.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل مسؤول: هل آن الأوان للانحياز إلى المواطن البسيط، وإعادة التوازن إلى كفة العدالة، قبل أن تتحول المعاناة إلى واقع يصعب احتواؤه؟