آخر تحديث :الأربعاء-04 مارس 2026-06:55م

«أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض»

الأربعاء - 04 مارس 2026 - الساعة 02:09 م
إدريس الزعزعي

بقلم: إدريس الزعزعي
- ارشيف الكاتب


بقلم / إدريس الزعزعي

ماذا لو اختارت إيران، منذ وقت مبكر، أن تكون جزءًا أصيلًا من محيطها العربي والإسلامي، لا مشروعًا يتقدّم عليه أو يتمدّد داخله؟ ماذا لو تركت تصدير الأزمات والحروب إلى جوارها، وآمنت بأن قوة الجوار في تماسكه، وأن المصالح المشتركة أقوى من رهانات النفوذ والصراع؟

لقد علّمتنا الحكمة القديمة أن السقوط يبدأ حين نصمت على سقوط غيرنا، أو نُسهم فيه. يوم استُنزف العراق في حربٍ طويلة مع إيران امتدّت ثماني سنوات، لم يكن ذلك حدثًا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل كان شرخًا عميقًا في جدارها، ومقدّمة لسلسلة انهيارات لاحقة. وحين عجزوا عن إسقاط العراق، أُوكِلَت المهمة إلى الأمريكيين، فسقطت بغداد، واحتُفِل بذلك السقوط، وكأنّه نتيجة طبيعية لمسار طويل من الانقسامات والحروب، لا حدثًا مفاجئًا.

ثم تكرّرت الدائرة في أكثر من ساحة عربية؛ في سوريا واليمن وغيرهما، صراعاتٌ مفتوحة، وعواصمُ تتهاوى بدعمٍ وتسليحٍ إيرانيَّين، وخطاباتٌ وفتاوى تبرّر تلك الحروب باعتبارها معارك مقدّسة. وبينما كانت المنطقة تفقد توازنها تباعًا، مضى الخطاب الرسمي يحتفي بسقوط أربع عواصم عربية، ظنًّا أن النار ستبقى بعيدة، وأن تداعيات الفوضى يمكن احتواؤها. لكن النار، حين تتّسع دائرتها ويشتدّ أوارها، لا تلبث أن تطال الجميع؛ فالجزاء من جنس العمل.

إن منطق الغطرسة والغلبة على الجوار، أو الاستثمار في هشاشته، لا يبني أمنًا دائمًا. فالتاريخ لا يرحم من يتوهّم أن ضعف محيطه مكسبٌ له. وحين يتآكل الصفّ، يصبح الاستفراد مسألة وقت، لا أكثر.

«أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض» ليست مجرّد مقولة تُستعاد في الخطب، بل درسٌ سياسي بليغ: من يرضَ بانكسار جاره اليوم، قد يجد نفسه غدًا وحيدًا في مواجهة المصير ذاته. وذلك ما تُظهره تجارب التاريخ، حين تتحوّل السياسات الخاطئة إلى أثمانٍ باهظة لا ينجو منها أحد.