اشتعلت شرارة الصراع الإقليمي وتحولت إلى فوهات بركان بين ما يُسمّى بمحور الصهيونية ومحور المقاومة، في مشهد تتسارع فيه وتيرة المواجهة وتتسع رقعتها كالنار في الهشيم. والجميع يدرك أن اليمن شمالاً وجنوباً ظلّ ضحيةً لتجاذبات هذين المحورين، وأن أرضه وقضاياه كانت ولا تزال أوراق ضغط تُدار من خارج إرادته الوطنية.
ومع تصاعد حدّة الحرب بين الخصمين، تبرز مخاوف حقيقية من انعكاسات سلبية خطيرة على واقعنا الداخلي، خصوصاً في ظل هشاشة البنية السياسية وتبعثر الأولويات الوطنية. إن ما يُتداول من “ملفات” أو “مبادرات” بشأن اليمن في أروقة الصراع الإقليمي لا يتجاوز في كثير من الأحيان كونه أوراقاً تكتيكية بيد وكلاء المحاور، تُستخدم عند الحاجة وتُركن عند تبدّل المصالح.
لقد أثبتت التجارب أن الوعود الخارجية، مهما بدت مغرية أو طارئة، لا يمكن أن تشكّل بديلاً عن إرادة الداخل، ولا أن تصنع استقراراً دائماً دون توافق وطني حقيقي. ومن هنا، فإن أي تصعيد إقليمي قادم قد يفضي إلى تعطيل مسارات سياسية أو تجميد مبادرات مطروحة، بما فيها تلك التي يُعوَّل عليها في لملمة الصف الجنوبي أو إعادة ترتيب المشهد العام.
لذلك، أرى أن الواجب الوطني يحتم على القوى السياسية والاجتماعية في الجنوب أن تبادر – دون انتظار إشارات الخارج – إلى إعادة ترتيب الداخل، عبر:
توحيد الرؤية حول الأولويات الوطنية بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية.
إطلاق حوار جنوبي – جنوبي جاد يعالج الخلافات بروح المسؤولية التاريخية.
تعزيز الشراكة المجتمعية وإشراك النخب والقبائل ومنظمات المجتمع المدني في صياغة موقف موحّد.
تحصين القرار السياسي الجنوبي من الارتهان لأي محور خارجي، وجعله منطلقاً من المصلحة الوطنية أولاً وأخيراً.
إن إعادة ترتيب الداخل لم تعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وجودية تفرضها تعقيدات المرحلة. فكلما تأخرنا في تنظيم بيتنا الداخلي، زادت قابليتنا لأن نكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
والتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يمنح فرصاً متكررة لمن يفرّط في لحظة الوعي.