يعد الإعلام في أي مجتمع حراً كان أو يسعى للحرية هو الحارس الأمين على الحقيقة والبوصلة التي توجه الرأي العام نحو الوعي والبناء وفي سياقنا الجنوبي خاض الإعلام معارك شرسة لإيصال صوت القضية إلى المحافل الدولية وكان صوتاً للمظلومين والمهمشين لسنوات طويلة وباقل الامكانات لكننا اليوم بعد ان توفرت الامكانات الضخمة وبكل صراحة ومسؤولية نلمس انحداراً مقلقاً لدى البعض حيث تحولت الصحافة من رسالة مقدسة إلى مهنة كسب عيش مجردة من أدنى معايير المهنية .
المشكلة لا تكمن في كثرة الوسائل الإعلامية أو المنصات بل في المحتوى الضحل الذي يطغى على المشهد عندما تغيب المهنية يتحول الخبر إلى إشاعة والتحليل إلى تطبيل والنقد إلى تشهير .
الاستقطاب الحاد تحولت بعض الأقلام إلى أدوات في يد الممول تنطق بلسانه وتهاجم خصومه ضاربةً عرض الحائط بمبدأ الحياد والموضوعية والامانة الصحفية .
صناعة الوهم الجري خلف الترند والمشاهدات جعل من الدقة ضحية أولى فأصبحنا نرى عناوين براقة تخفي خلفها فراغاً معرفياً مما يفقد الشارع ثقته في إعلامه الوطني .
أكبر التحديات التي تواجه الإعلام الجنوبي اليوم هي اقتحام غير المختصين للمجال دون تدريب أو وعي بالمسؤولية القانونية والأخلاقية .
صحافة النسخ واللصق الاعتماد الكلي على بيانات الجاهزة دون تمحيص أو تقصي للحقائق و تحويل القضايا العامة إلى صراعات شخصية تخدم أجندات ضيقة مما يشتت الجهود الشعبية والسياسية .
إن تجريد الإعلام من مهنيته ليس مجرد سقطة مهنية بل هو تهديد للأمن القومي الإعلام المهني هو الذي يكشف مواضع الخلل في المؤسسات وهو الذي يوحد الصفوف خلف أهداف واضحة أما الإعلام الارتزاقي فهو يقتات على الانقسامات ويخلق حالة من الإحباط لدى المواطن الذي لم يعد يفرق بين الحقيقة والتضليل .
الجنوب اليوم بحاجة إلى ثورة تصحيحية داخل المؤسسات الإعلامية الجنوبية لا يكفي أن تكون جنوبياً لتكون إعلامياً ناجحاً بل يجب أن تكون مهنياً أولاً تلتزم بالصدق وتتحرى الدقة وتضع مصلحة المجتمع والقضية فوق كل اعتبار مادي أو حزبي .
الصحافة هي القدرة على مواجهة الشدائد بالحقيقة فإذا غابت الحقيقة لم تبقَ صحافة بل مجرد علاقات عامة وموارد انية .