آخر تحديث :السبت-07 مارس 2026-06:27ص

الطائفة الشيعية .. والترابط العقائدي ..!!

الجمعة - 06 مارس 2026 - الساعة 10:28 م
إبراهيم ناصر الجرفي

بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي
- ارشيف الكاتب


من يبحث في شئون الطوائف والمذاهب الاسلامية ، سوف يلاحظ بأن الطائفة الشيعية هي الاكثر ترابطا وتماسكا فيما بين اتباعها ، ولعل شعورهم بأنهم أقلية مقارنة بالطائفة السنية التي تمثل الأغلبية هو ما يدفعهم للترابط أكثر فيما بينهم ، كرد فعل في مواجهة تلك الاغلبية التي يشعرون أنها تسعى للاستحواذ على كل شيء ، وتعمل على تعميم فكرها المذهبي في كل جوانب الحياة ، ونتيجة ذلك كان وما يزال وسيظل اتباع الطائفة الشيعية على اختلاف مللهم ونحلهم لا يترددون عن الالتفاف حول أي طرف أو قوة أو قائد أو دولة ترفع شعار التشيع ، وما يحدث اليوم من التفاف الشيعة في كل دول العالم وخصوصا العالم الاسلامي والعربي حول النظام الايراني الشيعي الاثنى عشري يؤكد ذلك ، قبمجرد أن أعلن الخميني عن قيام الثورة الاسلامية الشيعية في ايران ، وأعلن نفسه نائبا للإمام المهدي ، حتى إلتف حوله كل الشيعة من كل الدول وناصروه وأيدوه واعلنوه ولياً عليهم كنائب للامام المهدي ، بل قدموا الولاء والطاعة والخضوع لنظام الولي الفقية الايراني على الولاء لقومياتهم والولاء لأوطانهم ، في حالة تعكس تفوق الولاء للمذهب والطائفة والامام على بقية الولاءات ..!!


ولم يتوقف الأمر عند ذلك الجانب الشكلي والمعنوي بل انتقل إلى الجانب العملي ، فلم يتردد الشيعة في تسخير كل قدراتهم وطاقاتهم وامكانياتهم وأموالهم وحتى أنفسهم في سبيل تحقيق وتنفيذ أوامر وافكار الإمام الخميني ومن بعده الامام الخامئني ، ومنحوهم هالات من القداسة والتعظيم باعتبارهم ظل الله في الأرض ونواب الامام الغائب ، وبغض النظر عن العلاقة الدينية والروحية التي تربط بين اتباع الطائفة الشيعية وبين نائب الامام المهدي ، فهذا الأمر خاص بهم وبمعتقداتهم الدينية والمذهبية وهم أحرار في ذلك كون ذلك يندرج ضمن حرية العقيدة والمذهب ، كل ما يهمنا هنا هو الجانب السياسي في العلاقة بين الشيعة والنظام الايراني الشيعي كقائد للشيعة حول العالم ، وبالفعل لم يتردد هذا النظام لحظة واحدة في تقديم كل صور الدعم في كل مجالات الحياة للشيعة في كل مكان في العالم ، كما أنه فتح ابواب إيران على مصراعيها أمامهم للدراسة والبحث في العلوم الشرعية والفقهية الشيعية ، لتتحول ايران إلى منارة لنشر المذهب الشيعي ولتصبح مدينة قم مزارا ومكانا مقدسا تهوي إليه قلوب كل الشيعة حول العالم ..!!


ومع مرور الأيام ازداد هذا النظام قوة وخصوصا في المجال العسكري والتسليحي ، ما منحه القدرة على تقديم الدعم العسكري والتدريبي واللوجستي لقوى المعارضة الشيعية الفاعلة في المنطقة بكل سخاء ، ما مكنها من بناء قوات عسكرية مدربة تدريب عالي على يد خبرات ايرانية رفيعة ، لتنتقل مع مرور الايام من مرحلة الاعداد والتجهيز إلى مرحلة الظهور والتحرك والهجوم وصولا إلى مرحلة التمكين والتي بموجبها تمكنت من السيطرة على السلطة في بعض دول المنطقة ، وقد مثل ذلك نجاح كبير للسياسة الخارجية للنظام الايراني ، وانتصارات كبيرة للتشيع الاسلامي الذي تحول اتباعه من الهامش في تلك الدول إلى القيادة والسيطرة والحكم ، ولتتحول ايران من قوة محلية إلى قوة اقليمية فاعلة ومؤثرة في منطقة الشرق الاوسط ، بداية بتطويرها للصناعات الصاروخية والطيران المسير وصولا إلى اقترابها من الحصول على السلاح النووي ، بعد ان تمكنت من بناء العديد من المفاعلات النووية ، وكل ذلك بفضل سياسات النظام الايراني واهتمامه الكبير بالمجال العسكري والتسليحي والتدريبي ، وبفضل التفاف الشيعة في كل مكان حول هذا النظام ، وهو ما يظهر حالة الترابط والتنظيم الكبيرين لدى اتباع المذهب الشيعي ، وطموحهم الكبير في قيادة العالم العربي والاسلامي ..!!


لكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه النظام الشيعي في ايران واتباعه الشيعة في بقية الدول ، هو اعتمادهم على الفرز المذهبي والطائفي في التعامل مع الآخر ، وفي تولي المناصب القيادية الفاعلة وجعلها حكرا على الشيعة واستبعاد بقية الاطراف والقوى الشعبية والوطنية ، كما أن بعض الحركات والجماعات والقوى الشيعية أثناء توسعها جغرافيا واثناء سيطرتها على السلطة في بعض الدول قد افرطت في استخدام القوة ضد المعارضين من الاطراف الاخرى وخصوصا في سوريا والعراق ، حيث اثبتت التقارير الاممية والحقوقية انها ارتكبت مجازر طائفية وجرائم حرب في بعض المناطق ، بالاضافة إلى افراطها في استخدام الخطاب الاعلامي الطائفي والمذهبي ومصادرتها للعديد من الحريات الدينية والمذهبية والسياسية والكثير من الحقوق الانسانية في تلك المناطق ، كل ذلك قد تسبب في إثارة الكراهية والرفض ضد المشروع الشيعي الكبير الذي يقوده النظام الايراني من بقية الاطراف بما فيهم الأغلبية السنية ، وهو السبب الرئيسي اليوم في حالة الانقسام الكبير في العالم العربي والاسلامي بين مؤيد ورافض لسياسات النظام الايراني والسلطات والقوى والجماعات الشيعية الموالية له ، بل لقد وصل التطرف لدى بعض المعارضين لهذا النظام إلى حد تأييد الهجوم الامريكي الاسرائيلي الذي يتعرض له النظام الايراني منذ عدة أيام ، كرد فعل انتقامي من سياسات وتصرفات النظام الايراني والسلطات والجماعات الشيعية الموالية له ..!!


يبدو أن العقل السياسي العربي والاسلامي دائما ما يخطئ في تقييم المواقف وفي اتخاذ القرارات ، ودائما ما يفشل في حشد التأييد والدعم من كل الجماهير العربية والاسلامية بمختلف اطيافها ومذاهبها ، بسبب بعض السياسات السلبية والقرارات الخاطئة ، وكم كان سيكون موقف النظام الايراني قويا وفاعلا في حال حصوله على تأييد ودعم كل الشعوب العربية والاسلامية ، فالاعتماد على الترابط والالتفاف المذهبي والطائفي فقط لا يكفي ، خصوصا في ظل استعداء بقية الاطراف والمذاهب ، وكم نتمنى أن يكون هذا درس لجميع الانظمة والقوى والسلطات الاسلامية ، وان يستفيدوا منه مستقبلا من خلال الابتعاد عن الفرز المذهبي والطائفي والتعامل مع أبناء الشعوب العربية والاسلامية بمنظار واحد ، منظار الإخوة الدينية والمواطنة المتساوية ، حتى لا تجد الانظمة نفسها في محيط اجتماعي ووطني وعربي واسلامي معادي لها ، وحتى لا تستمر انتكاسات ومآسي العرب والمسلمين مستقبلا نتيجة انقسامهم وتخاذلهم ..!!