آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:35ص

وحدة الهوية.. أو فناء الوجود

الأحد - 08 مارس 2026 - الساعة 11:48 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


​في عتمة اللحظة الراهنة، حيث تتكالب الأمم وتتداعى القوى الصهيونية والصليبية المعاصرة على جسد هذه الأمة، نجد أنفسنا أمام مفارقة موجعة؛ عدونا يجمع شتاته رغم تناقضاته، ونحن نشتت جمعنا رغم يقيننا. إن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس عسكرياً فحسب، بل هو تحدٍّ وجودي يفرض علينا استدعاء دروس التاريخ الكبرى، لا لنبكي الأطلال، بل لنرسم خارطة الطريق إلى غدٍ لا يُهزم فيه المسلم.

​إن عبقرية النصر في "حطين" و "عين جالوت" لم تكن تكمن في كثرة العتاد، بل في سيادة "الهوية الجامعة". حين سار صلاح الدين الأيوبي نحو بيت المقدس، وحين صرخ قطز بصرخته المدوية "واإسلاماه" في وجه الزحف المغولي، لم يسأل أحد عن مذهب القائد أو أصله العرقي. كانت الأمة حينها تدرك أن السيل إذا جرف الدار، لم يبقِ لساكنيها رفاهية الخلاف على لون الستائر أو زخرف الغرف.

​لقد علمنا التاريخ أن قادة الأمة العظام —من آل زنكي إلى المماليك— كانوا بشراً تضيق بينهم المسافات وتتسع، بل لربما بلغت بينهم الخلافات الشخصية حد الصراع كما حدث بين قطز وبيبرس، لكنهم عند لحظة الزحف الوجودي، انصهروا في بوتقة واحدة. وضعوا الخصومة خلف ظهورهم، وجعلوا من "الإسلام" راية لا تعلو فوقها راية، مستشعرين أن مسؤوليتهم أمام الله والتاريخ أكبر من أن تُختزل في حسابات سياسية ضيقة.

​ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أحوجنا اليوم إلى ذلك القرار السياسي الجاد والواعي؛ القرار الذي لا يكتفي بالشعارات، بل يغرس بذور الوحدة في تربة الواقع، ويجمع مشارب الأمة الفكرية وانتماءاتها المناطقية في مشروع واحد عنوانه: "التصدي للتحديات الوجودية". إننا بحاجة إلى قيادة تستلهم روح صلاح الدين في ترتيب الأولويات، وحزم قطز في مواجهة التهديدات، وإيمان بيبرس بأن قوة الأمة في تلاحم صفوفها.

​إن العودة إلى روح حطين وعين جالوت ليست هروباً إلى الماضي، بل هي "استحضار للسلاح" في معركة الحاضر. إن الواقع المعاصر، بجراحه النازفة في فلسطين، وتكالب التحالفات الصهيونية والصليبية التي تجمع شتات قوتها لإحكام الحصار على وعينا ومقدراتنا، يضعنا أمام خيار واحد لا ثانٍ له: إما الانصهار في مشروع "الأمة القطب" أو الاندثار في غيابات التبعية.

​لقد أثبتت أحداث اليوم أن العدو لا يفرق بين حدودنا المصطنعة ولا بين مشاربنا الفكرية؛ فهو يستهدف "الوجود" لا "الحدود". لذا، فإن بعث نموذج "القائد الأمة" لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية تفرضها تحديات الوجود. إننا بحاجة إلى قرار سياسي شجاع يكسر أغلال الارتهان للخارج، وينحاز لنبض الشعوب التي لم يزدها القمع إلا تمسكاً بهويتها.

​إن الأمة التي استعصت على المغول والصليبيين قديماً، لن تعجز اليوم عن كسر طوق "الصهيونية" الحديثة، مادامت عقيدتها هي المحرك، وعدالة قضيتها هي البوصلة. إن زمن التباكي على "ما تفرق منا" يجب أن ينتهي ليبدأ زمن "جمع ما تشتت"، فالحق الذي لا تسنده قوة هو حق ضائع، والقوة التي لا يحكمها وعي هي ركام من الهشاشة.

​فليسمع العالم أن هذه الأمة، برغم ثقل الجراح وتواطؤ القريب والبعيد، ما تزال ولادة، ومخاضها العسير اليوم ليس إلا إرهاصاً لفجر جديد. وحين يرتجف المشككون أمام عظمة التحدي ويستبطئون الخلاص، نجيبهم بلسان الواثق بربه، المؤمن بعدالة سيفه وقضيته "وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا".