آخر تحديث :الإثنين-09 مارس 2026-08:14م

امريكا المسيح الصهيوني ..

الإثنين - 09 مارس 2026 - الساعة 12:21 ص
محمد علي محسن

بقلم: محمد علي محسن
- ارشيف الكاتب


كل هذا العنفِ والخرابِ والدمارِ لن يتوقفَ إلا بقيامِ دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ ، فجذرُ المشكلةِ يكمنُ في فلسطينَ، حيث تحتلُّ إسرائيلُ أرضًا أصحابُها الشرعيّون هم الفلسطينيون .

ما نشهده اليومَ في إيرانَ، وما شهدناه بالأمسِ في العراقِ، وقبلَهما في لبنانَ وسوريا ومصرَ، ما هو إلا نتاجُ أعراضٍ جانبيةٍ مصدرُها الأساسي احتلالُ إسرائيلَ لفلسطينَ، وصبغُ هذا الاحتلالِ بصبغةٍ صهيونيةٍ توراتيةٍ إنجيليةٍ.


فالمشكلةُ ليست في امتلاكِ إيرانَ أو العراقِ أو مصرَ أو السعوديةِ للسلاحِ النوويِّ، بل المشكلةُ الحقيقيةُ في محاولاتِ إسرائيلَ وأمريكا لإقامةِ "دولةِ "المسيحِ الصهيوني" وفقَ عقيدةٍ ملوثةٍ صاغَها قساوسةٌ خبثاءُ، وآمنَ بها معظمُ رؤساءِ البيتِ الأبيضِ خلال السبعة العقود الماضية على وجه الدقة .


ولن يتوقفَ هذا الصراعُ ما لم تتخلَّ أمريكا، قبلَ إسرائيلَ، عن هذه النبوءةِ الفاسدةِ التي خلقتِ العنفَ في فلسطينَ.

فوفقًا لمؤلفةِ كتابِ "النبوءةِ والسياسة "، الصحافيةِ الأمريكيةِ السابقةِ في البيتِ الأبيضِ "غريس هالسل" – التي كانت من أشدِّ المتعصبين لهذه الخزعبلاتِ إلى أن زارت فلسطينَ واكتشفتْ زيفَها – فإن الصهيونيةَ تغلغلتْ في أعماقِ الساسةِ الأمريكيين، حتى إن الرئيسَ الأسبقَ رونالدَ ريغانَ تمنى حدوثَ المعركةِ المزعومةِ في "هرمجدون"، في عهده ، فقط ، ليضغطَ على الزرِّ النوويِّ!


وها هو دونالد ترامبُ الجمهوريُّ اليومَ، وقبلَه الديمقراطيُّ جوزيف بايدن، وقبلَهما جورج بوش الابنُ والاب ، والحلقةُ تمتدُّ إلى سابقيهم مثل ريتشارد نيكسون وآخرين .


فجميعهم سواءٌ: أغبياءُ وحمقى، متعصبون لفكرةِ عودةِ المسيحِ الثانيةِ – تلك العودةُ التي لن تتحققَ، في زعمهم، إلا بمساعدةِ حكوماتِ إسرائيلَ، باعتبارِهم "شعبَ اللهِ المختارَ"، وليسوا مجردَ شعوبٍ جاءت من بولندا وأوكرانيا وليتوانيا وروسيا وبلادِ الخزرِ عمومًا .


سفيرُ أمريكا في إسرائيلَ "مايك هاكابي " واحدٌ من هؤلاء الذين يحملون في أذهانهم عقيدةً ملوثةً وعنصريةً، لا تمتُ بصلةٍ للمسيحِ أو الطوائفِ المسيحيةِ الكاثوليكيةِ أو الأرثوذكسيةِ، بل تمَّتْ صياغتُها مع بروزِ البروتستانتيةِ في القرنِ الخامسَ عشرَ .


وتحديدًا بسبب معاناةِ اليهودِ في إسبانيا من محاكمِ التفتيشِ وما تبعَها من فظائعَ، مما استدعى ابتداعَ طريقٍ "آمنٍ" من خلال عمليةِ اندماجٍ بين المسيحيةِ واليهوديةِ، وهو ما بات يُعرفُ لاحقًا بالطائفةِ الإنجيليةِ المنسلخةِ من البروتستانتيةِ الأصليةِ ، فهذه الطائفة لم تشوه المسيحية فحسب ، بل واساءت لمبادىء البروستانتية العادلةِ الداعيةِ إلى حقِّ الإنسانِ في الحياةِ والاعتقادِ والحريةِ.


وهكذا، يظلُّ الصراعُ في جوهرِهِ صراعَ وجودٍ وهويةٍ، تتغذى جذورُهُ من عقائدَ مشوَّهةٍ ومصالحَ استعماريةٍ. فالدموع التي تسيلُ في شوارعِ القدسِ، والدماءُ التي تُراقُ على أرضِ غزةَّ، والخرابُ الذي يلتهمُ بيوتَ الفلسطينيين، كلُّها ليست سوى فصولٍ في مأساة كُتبَ نصُّها منذ قرونٍ بأيدي قساوسةٍ وساسةٍ يتاجرون بالدينِ والوهمِ .


وإلى أن تدركَ الإنسانيةُ أن السلامَ العادلَ لا يُبنى على أنقاضِ شعبٍ وحقوقِه، وأن القضاءَ على جذورِ العنفِ يبدأ بالاعترافِ بحقِّ الفلسطينيين في دولتِهم المستقلةِ كاملةِ السيادةِ، ستبقى المنطقةُ ترزحُ تحت وطأةِ الدمِ والخرابِ.


فالقضيةُ الفلسطينيةُ ليست قضيةَ حدودٍ أو وطنٍ فقط، بل هي اختبارٌ حقيقيٌّ لضميرِ العالمِ وإنسانيَّتِهِ، وميزانُ العدالةِ الذي إن بقى مائلًا لمن يملك القوة لا الحق ، فلن يقومَ للبشريةِ قائمةٌ اليوم أو غدا .


محمد علي محسن