آخر تحديث :الإثنين-09 مارس 2026-08:29م

من الانتظار إلى الفعل: (جُزُر التَّعافي) كمدخلٍ واقعي لإنقاذ اليمن أرضًا وإنسانًا

الإثنين - 09 مارس 2026 - الساعة 03:49 ص
عادل باحميد

بقلم: عادل باحميد
- ارشيف الكاتب


السفير د. عادل محمد باحميد


سفير بلادنا لدى ماليزيا

في ظلّ ما تشهده منطقتنا اليوم من تصعيدٍ خطيرٍ ومتسارع، تتأكد حقيقةٌ مؤلمة: أن الأزمات الكبرى لا تنتظر أحدًا، ولا مواعيد محددة لانتهائها، وأن الشعوب هي أول من يدفع ثمن التأجيل في البحث عن مسارات تعافيها. وفي اليمن، حيث طال أمد المعاناة وتشابكت الأزمات، لا يجوز أن نُعلّق حياة الناس على توقيتٍ (مثالي) لانتهاء الأزمات قد لا يأتي قريبًا. من هذا المنطلق، تأتي هذه المقالة لطرح فكرة (جُزُر التَّعافي) كمسارٍ واقعيٍّ لإنقاذ الإنسان اليمني حيثما أمكن، دون تفريطٍ في أولوية استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، وبما يراعي التعامل الواعي والمسؤول مع المتغيرات من حولنا.


لم يعد في مقدور اليمن، بعد أكثر من عشر سنواتٍ من الصراع، أن يُراهن على الانتظار. فالأزمة التي بدأت سياسية وأمنية، تحولت مع الوقت إلى أزمة شاملة أصابت الإنسان اليمني في أمنه النفسي، واستقراره المعيشي، وتعليمه، وصحته، وتوازنه الاجتماعي، كما أصابت الدولة في سيادتها، واقتصادها، وخدماتها، ومؤسساتها. وبين هذا وذاك، تآكلت الثقة، وتراجعت فكرة الدولة في وعي الناس، وصار البقاء اليومي هو الهم الأول.


لقد بات واضحًا أن الأزمة اليمنية لم تعد شأنًا داخليًا محضًا، بل تحوّلت إلى ملفٍ شديد التعقيد، تتداخل فيه الحساباتُ الإقليمية والدولية، وتتقاطع فيه موازينُ القوى المحلية، وتتشابك فيه الجغرافيا مع السياسة، والسلاح مع الاقتصاد، والنفوذ مع الفساد. غير أن هذا التعقيد، مهما بلغ، لا يُغيّر من الحقيقة الجوهرية المتمثلة في أن أصل الأزمة يتمثل في الانقلاب الحوثي على الدولة ومؤسساتها، وعلى إرادة الشعب اليمني وسيادته ومقدراته، وهو الانقلاب الذي فتح الباب واسعًا لكل هذه التشابكات والتشظيّات اللاحقة.


وفي ظل هذا الواقع المركّب، يبقى إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة هدفًا وطنيًا لا خلاف عليه، وأولوية لا يجوز القفز عليها أو تمييعها، إلا أن البحث عن حلٍ شاملٍ وفوري في ظل موازين القوى الراهنة، وما يُحيط بالملف اليمني من تعقيدات، يُصبح أقرب إلى التمنّي منه إلى التخطيط العملي، دون أن يعني ذلك بحالٍ من الأحوال التخلّي عن الهدف الأساسي، أو القبول بالأمر الواقع، أو التطبيع مع نتائجه الكارثية.


لكن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بجرأة هو: هل من المنطقي أن نُعلّق حياة ملايين اليمنيين ومعيشتهم وتعليم أبنائهم وصحتهم على لحظةٍ سياسيةٍ مؤجلة لا نملك موعدها؟


تقوم كثير من المقاربات التقليدية على فكرة أن التعافي وإعادة البناء لا يمكن أن تبدأ إلا بعد انتهاء الصراع بشكل كامل. غير أن هذا المنطق، رغم وجاهته النظرية، أثبت عمليًا أنه يُضاعف كُلفةَ الأزمة، ويُطيل أمد المعاناة، ويُنتج أجيالًا كاملة نشأت خارج الدولة والتعليم والاقتصاد المنظم.


فالدول التي خرجت من صراعاتٍ طويلة لم تنتظر جميعها السلام الشامل لتبدأ التعافي، بل شَرَعت في بناء ما يمكن بناؤه حيثما أمكن، وحافظت على جذوة الحياة مشتعلة، ولو في نطاقاتٍ محدودة. فالدولة لا تموت دفعةً واحدة، كما أنها لا تُبعث دفعةً واحدة.


من هنا تبرز فكرة (جُزُر التَّعافي) بوصفها مقاربةً واقعية تنطلق من الممكن لا من المثالي، ومن الفعل لا من الانتظار. وهي تقوم على مبدأٍ بسيط في ظاهره، عميق في أثره: (إذا تعذّر إنقاذ الوطن دفعة واحدة، فلنبدأ بإنقاذ الإنسان حيثما أمكن).


تعتمد الفكرة على اختيار مناطق أو مدنٍ بعينها في نطاق سيطرة الحكومة الشرعية، تتوافر فيها حدودٌ دُنيا من الاستقرار الأمني، وقابلية الإدارة، والقبول الاجتماعي، ومؤشرات أوليّة للنجاح، ليتم التركيز عليها بحزمةٍ متكاملة تشمل الأمن، الخدمات الأساسية، التنمية الاقتصادية المحلية، الحوكمة، والمشاركة المجتمعية.


هذه المناطق لا تُطرح كبديل عن الدولة، ولا ككيانات معزولة، بل كنقاط ارتكازٍ تُعيد تشغيل وظائف الدولة الأساسية، وتُثبت للناس أن الدولة – حين تُدار بحدٍ أدنى من الكفاءة والنزاهة – قادرة على تحسين حياتهم.


ولا يعني التركيز على “جزر التعافي” بحالٍ من الأحوال تجاهل بقية المناطق التي لا تتوافر فيها حاليًا شروط الانطلاق، أو التخلي عن مسؤولية الدولة تجاه أبنائها فيها. فهذه المقاربة لا تقوم على منطق الإقصاء الجغرافي، بل على ترتيب الأولويات في ظرف استثنائي، يفرض استخدام الموارد المحدودة بأعلى قدر من الأثر. وفي هذا السياق، لا تُترك تلك المناطق خارج الرؤية، بل يُنظر إليها باعتبارها مناطق قيد التأهيل، يجري العمل فيها – بقدر الإمكان – على تعزيز الجاهزية الإدارية، وتحسين الوضع الأمني، وبناء قدرات السلطات المحلية، وترميم النسيج المجتمعي، بما يمكّنها تدريجيًا من الوصول إلى الحد الأدنى من المعايير التي تؤهلها للانضمام لاحقًا إلى برنامج (جزر التعافي). إن الهدف من هذه المقاربة ليس صناعة جُزُر معزولة، بل بناء مسار وطني متدرّج، تتسع دائرته كلما تحققت شروط النجاح، وبما يضمن أن يبقى الأفق مفتوحًا أمام جميع المناطق. كما إن الهدف من هذه الجُزُر هو تخفيف العبء عن البلاد ككل، وخلق مساحات استقرار نسبي تخدم – بشكل مباشر أو غير مباشر – بقية المناطق، عبر استيعاب النازحين، وتوفير الخدمات، والحفاظ على الحد الأدنى من الوظائف الوطنية، إلى أن تتوافر ظروف التوسع التدريجي. فالدولة، حتى وهي مجروحة، لا تختار أبناءها، بل تبحث عن السبل الأكثر واقعية لحمايتهم جميعًا.


في السياق اليمني، لم تعد الشرعية مفهومًا سياسيًا مجردًا، بل أصبحت مرتبطة في وعي الناس بالأداء. فالمواطن لا يسأل كثيرًا عن شكل النظام بقدر ما يسأل: هل هناك أمن؟ هل هناك مرتبات؟ هل تعمل المدرسة؟ هل المستشفى مفتوح؟ هل هناك كهرباء وماء؟ وهل أستطيع أن أعيش بكرامة؟


(جزيرة التَّعافي) تُعيد تعريف الشرعية بوصفها القدرة على تقديم هذه الإجابات عمليًا. وحين يرى المواطن تحسنًا ملموسًا في حياته اليومية، تبدأ الثقة بالعودة، ويُصبح الالتزام بالنظام، واحترام القانون، والمشاركة في الشأن العام، خيارات ممكنة لا عبئًا إضافيًا.


وأحد أبرز معالم (جزيرة التَّعافي) هو تحييد اقتصاد الحرب عبر تقديم بدائل للحياة، فأحد أخطر آثار الصراع في اليمن هو تشكّل اقتصاد حرب قائم على الفوضى والجبايات والاحتكار وغياب الدولة. ولا يمكن مواجهة هذا الاقتصاد بالشعارات أو بالقوة وحدها، بل عبر تقديم بدائل حقيقية للحياة، تقوم على إظهار الحوافز، أي جعل المواطن يصل إلى قناعةٍ مطلقة بأن الاستقرار والالتزام بالقانون أكثر فائدة له من الفوضى.


في نطاق (جزيرة التعافي)، يُعاد بناء الاقتصاد المحلي على أُسسٍ شفافة، وتُفتح فرص عمل حقيقية، وتُضبط الموارد، ويُكافأ الأداء، فتتراجع تدريجيًا جاذبية اقتصاد الحرب داخل هذا النطاق، ويُحاصر اجتماعيًا قبل أن يُحاصر أمنيًا.


يمكن تشبيه (جُزُر التَّعافي) بأنّها نسيجُ حياةٍ جديدة يُضخّ في جسدٍ أنهكه المرض، فتدب فيه الحياةُ من جديد. ومع نجاحِ كلِّ تجربة، تتكوّن نماذج قابلة للتكرار، تُخفف المعاناة، وتخلق أملًا واقعيًا، وتُحفّز المناطق الأخرى للسير في الاتجاه ذاته، وتغليب الفعل بدل الارتهان لليأس أو الفوضى.


وهنا تكمن قوة الفكرة، فهي لا تدّعي الكمال، ولا تُنكر التعقيد، لكنها ترفض الشلل، وتؤمن بأن إنقاذ الإنسان اليوم هو الطريق الأقصر لإنقاذ الوطن غدًا.


وهنا ليكن الطرح بين الواقعية والمسؤولية، خاصةً إن (جُزُر التَّعافي) لا تُغني عن الحل السياسي الشامل، ولا تُبرر تأجيله، لكنها تمنع البلاد من السقوط الكامل، وتحفظ ما تبقى من الدولة، وتمنح المجتمع قدرة على الصمود، وتُبقي فكرة اليمن الواحد الناهض حيّة عبر نماذج ناجحة قابلة للاتساع.


فالانتظار في زمن الانهيار ليس حيادًا، بل خيارًا مكلفًا. أما الفعل المتدرّج، فهو أقل كلفة، وأكثر إنسانية، وأقرب إلى الحكمة.


إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق صانع القرار اليوم لم تعد تحتمل منطق التأجيل أو الارتهان للمجهول. فالدولة التي تنتظر اكتمال الحل قبل أن تمارس دورها، تخاطر بأن تفقد ما تبقى من معناها في حياة الناس. أما الدولة التي تبدأ بما تستطيع، حيثما تستطيع، فإنها تحمي الإنسان، وتستعيد الثقة، وتؤسس للسلام بدل أن تنتظره. فلا ينبغي أن ننتظر اكتمال الصورة كي نبدأ بإنقاذ الإنسان.


إن تبنّي مقاربة (جُزُر التَّعافي) لا يتطلب معجزات، ولا موارد خارقة، بل يتطلب إرادة قرار، وشجاعة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى كسر حلقة الشلل. البدء بمنطقة واحدة، أو مدينتين، أو قطاع خدمي محدد، يمكن أن يُحدث فارقًا يفوق عشرات الخطط المؤجلة، ويُرسل رسالة واضحة للمواطن مفادها أن الدولة لم تغادر المشهد، وأن الأمل ليس وهمًا.


إن كل يوم تأخير هو كلفة إنسانية إضافية، وكل خطوة فعل - وإن بدت محدودة - هي استثمار في مستقبل اليمن. فالتاريخ لا يخلّد من انتظروا اللحظة المثالية، بل من صنعوا لحظاتهم داخل العاصفة.


اليوم، لا يُطلب من صانع القرار أن يحلّ كل شيء، بل أن يبدأ. ومن هذه البداية، يمكن لليمن أن يستعيد نفسه، جزيرة بعد أخرى.