شهد العالم منذ جائحة كورونا عام 2020 متغيرات عميقة غيّرت طبيعة العمل التقليدي، حيث تسارعت وتيرة التحول نحو العمل عن بُعد ليصبح اليوم أحد أبرز أنماط الاقتصاد الرقمي الحديث.
لقد أتاحت هذه التحولات فرصاً واسعة لأصحاب المهارات التقنية والمعرفية حول العالم للعمل مع شركات ومؤسسات في دول مختلفة دون الحاجة إلى السفر أو الانتقال إلى بلد آخر. وبفضل ا
لإنترنت والتقنيات الرقمية، لم يعد مكان الإقامة عائقاً أمام الحصول على فرصة عمل، بل أصبح العالم أقرب من أي وقت مضى لمن يمتلك المعرفة والمهارة.
في المقابل، لا يزال كثير من اليمنيين يبحثون عن الهجرة والسفر إلى الخارج، بل ويخاطر بعضهم بحياته في سبيل الوصول إلى فرصة عمل. والحقيقة أن هناك فرصاً متاحة يمكن استثمارها من داخل اليمن نفسه، خاصة لمن يمتلكون المهارات الرقمية. فالمتغيرات السياسية والاقتصادية التي يعيشها اليمن قد تدفع إلى البحث عن حلول مبتكرة، ويعد العمل عبر الإنترنت أحد أهم هذه الحلول وأكثرها واقعية.
إن العمل عن بُعد يتيح للشباب اليمني التواصل مع العالم والتقدم إلى وظائف في مجالات متعددة دون الحاجة إلى مغادرة البلاد. فالأمر لا يتطلب أكثر من جهاز كمبيوتر واتصال جيد بالإنترنت، إلى جانب امتلاك مهارات مطلوبة عالمياً مثل البرمجة، والتصميم، والترجمة، والتسويق الرقمي، وكتابة المحتوى، وتقديم الدعم التقني وغيرها من المجالات التي يشهد الطلب عليها نمواً متزايداً في سوق العمل العالمي.
ومع الأسف، لم تولِ المؤسسات التعليمية اليمنية – الحكومية والخاصة – هذا التحول الاهتمام الكافي حتى الآن. فقد كان من الأجدر بها ت
وجيه طاقات الطلاب ومواهبهم نحو التكيف مع هذا الواقع الجديد، من خلال التدريب على الأدوات الرقمية الحديثة، وتعزيز مهارات اللغة الإنجليزية، وتشجيع الأبحاث ومشاريع التخرج المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد. ولو تم تبني هذا التوجه بجدية، لكان بإمكانه أن يفتح آفاقاً واسعة أمام الشباب اليمني للعمل مع شركات ومؤسسات في مختلف أنحاء العالم.
والواقع أن العديد من الشركات العالمية باتت تبحث عن أصحاب المهارات للعمل عن بُعد بهدف تقليل التكاليف التشغيلية والنفقات المرتبطة بالمكاتب والموظفين. ولهذا السبب اتجهت هذه الشركات إلى الاستعانة بكفاءات من دول آسيوية مثل الهند وباكستان والفلبين، وهي دول نجحت في إعداد كوادر قادرة على المنافسة في السوق الرقمية العالمية.
واليمن، بما يمتلكه من طاقات شبابية واعدة، يمكن أن يكون جزءاً من هذا السوق العالمي إذا توفرت التوعية والتوجيه الصحيح. فالشباب اليمني يمتلك القدرة على التعلم والتطور، لكن ما ينقصه في كثير من الأحيان هو الإرشاد إلى المسارات الجديدة التي يمكن أن تفتح له أبواب العمل والنجاح.
إن الاستثمار في المهارات الرقمية ونشر ثقافة العمل عبر الإنترنت يمكن أن يشكلا فرصة حقيقية لبناء مصادر دخل جديدة للشباب اليمني، كما يسهمان في دعم الاقتصاد المحلي. وربما يحمل المستقبل القريب فرصاً أكبر لمن يدركون أن العالم اليوم لم تعد تحكمه الحدود الجغرافية، بل تحكمه المعرفة والمهارة والقدرة على التواصل مع الاقتصاد الرقمي العالمي.