في خضم ما يحدث لنا ولمن حولنا، وتختلط الأوراق، ويسود الجدل والخوف، يظن كثيرون أن النهايات قد حانت. لكن الحقيقة الأعمق هي أن ما يحدث ليس إلا بداية لعودة، وإن كانت من بين أنقاض وخراب.
هذه العودة ليست إلى الوراء ، بل إلى الذات، إلى الصواب، إلى الحياة، إلى المستقبل . المسألة في جوهرها ذهنية خالصة، متصلة اتصالًا مباشرًا بطريقة تفكير الإنسان، وأسلوب حياته، ونسيجه الوجودي ذاته.
فالإنسان، أي إنسان ، وأي مجتمع، وأي أمة، إزاء الأزمات صنفان ؛ الصنف الأول هم أولئك الذين يمتلكون نعمة الوعي، والقدرة على الاستيعاب، ومرونة التعامل مع الصدمات أيًّا كان حجمها أو ضررها.
هم من النوعية التي تنظر إلى المحنة فترى فيها اختبارًا حقيقيًّا لمعادن الرجال، وامتحانًا لقدراتهم على تجاوز العتمة وإشعال شمعة أمل تفضي إلى الفجر، بدلًا من التوقف واليأس ولعن الظلام.
هؤلاء، حين تحل المشكلة أو الأزمة، لا يقفون أمامها مذعورين، بل يتعاطون معها بعقلية منفتحة ومتفائلة، تبحث عن الأفكار المبتكرة والحلول الجديدة، فتخرج من التجربة أقوى مما دخلوا إليها. إنهم كالذهب الذي تصقله النار، ولا يقلل من قيمته إن سقط أو طمره التراب.
أما الصنف الآخر، فهم أسرى النمطية، ورهائن "الكلاسيكية" في التفكير والإدارة. يظنون أن ما صلح للأمس هو ما سينجح اليوم والغد . وبكل تأكيد، فإن خيارات هؤلاء ضيقة ومحدودة سلفًا، لأن عقولهم مسيجة بموروثات بالية لم تعد نافعة للحاضر ولا مؤاتية للغد.
إنهم يتمترسون خلف قناعات عفا عنها الوقت والحاجة والمنطق ، ورغم ضعف وهشاشة تلك القناعات، ما زالوا يتعاطون معها وكأنها حصون منيعة، غافلين عن أنها أصبحت سجنًا لهم، وأغلالًا مقيدة لمن يختلف معهم.
وفي المنتهى ، حصر هؤلاء أنفسهم في قوالب جامدة، تجاوزتها الحياة وتخطاها الزمن. وما لا يدركه القادة أو الأتباع هو النهاية الكارثية في حال ظلوا على مواقفهم المتشددة .
وحتمًا، الواقع المتغير في كل لحظة وساعة سيبتلعهم، وكفيل بأن يقضي على ما صنعوه بأيديهم أو تفكيرهم. فطال الزمن أم قصر، الموت مصير أولئك الذين يظنون أنهم يمكنهم الوقوف في وجه العاصفة، بينما الحقيقة أنهم ينتحرون .
الخلاصة... افتحوا عقولكم، أوسعوا لها الآفاق، فلن يخلصنا من المآزق إلا عقل منفتح، شغّال، مبدع، لا يقدس الأفكار بقدر ما يطورها، ولا يتشبث بالماضي بقدر ما يستلهم منه دروسه للحاضر والمستقبل.
أما إغلاق العقل، فإنه يشبه إلى حد كبير ذاك الذي يمسك بمظلته مطوية في يوم ممطر، لا يفتحها خوفًا من أن تتبلَّل، أو تأخذها الريح!
أيها المحبطون الحائرون، هذا وطننا، نحن أهله، ونحن من يسيّرون شؤونه بوعيهم وإرادتهم، ونحن من يحميه ويذود عنه في الشدة والنوائب . فاحذروا تلك الأباطيل والسرديات الواهية التي لا يستسيغها عقل سليم، ولا يقبلها منطق مستقيم .
فلن يأتوا بشعب بديل عن شعبنا، ولن يرهنوا وطنًا لأناس من كوكب المشتري أو غيره . الأرض لنا، والقرار لنا، والمستقبل يصنعه أبناؤه.
لقد حان الوقت كي نفتح مظلات عقولنا أمام أمطار وعواصف التغيير ، لا أن نظل مبللين تحت وهم أن المظلة لا تفتح إلا في الشمس!
اللهم إني بلغت... اللهم فاشهد، اللهم كن نصيرًا لمن يريد لهذا الشعب عزًّا ومجدًا وسلامًا ..
محمد علي محسن