آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-10:58م

سلطة الصمت

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 06:29 م
سارة عبدالحكيم

بقلم: سارة عبدالحكيم
- ارشيف الكاتب


ليس أخطر على المجتمعات من الظلم حين يقع، بل من الصمت الذي يحيط به. فالصمت حين يطول لا يعود مجرد موقف سلبي، بل يتحول إلى قوة خفية تصنع واقعًا كاملًا، واقعًا يعتاد فيه الناس التأجيل، ويتعايشون مع الوعود المؤجلة، وتصبح فيه الحقوق البديهية مطالب بعيدة المنال.

في اليمن، لم تعد المشكلة في الأزمات وحدها؛ فالأزمات قد تضرب أي بلد. المشكلة الحقيقية تكمن في تلك المسافة الثقيلة بين معاناة الناس وصوت المسؤولين. مسافة يصنعها الصمت حين يغيب التفسير، ويغيب الاعتراف بالخلل، ويغيب الشعور بأن المواطن ليس مجرد رقم في سجل طويل من الوعود غير المكتملة.

الناس هنا لا يطلبون المستحيل. لا يطلبون أكثر من حق واضح: أن تكون المسؤولية مسؤولية فعلية، لا لقبًا إداريًا. أن يكون المنصب التزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقعًا رسميًا. لكن حين يتكرر المشهد ذاته—أزمات تتوالى، قرارات متأخرة، وواقع يزداد قسوة—فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن الأزمة فقط، بل عن سلطة الصمت التي تحيط بها.

الصمت الرسمي غالبًا ما يُقدَّم كحكمة أو كضبط للنفس، لكنه في عيون الناس قد يتحول إلى شيء آخر تمامًا: إلى شعور بأن معاناتهم لا تجد من يسمعها، وأن المسافة بين السلطة والمواطن أصبحت أوسع مما ينبغي أن تكون في دولة يفترض أنها قائمة لخدمة شعبها.

التاريخ لا يذكر الأزمات بقدر ما يذكر كيف واجهتها القيادات. فالمسؤول الحقيقي لا يقاس بحجم الخطاب الذي يلقيه، بل بقدرته على مواجهة الواقع بصراحة، وعلى الاعتراف بالخلل قبل أن يتضخم، وعلى الاقتراب من هموم الناس قبل أن تتحول إلى فجوة يصعب ردمها.

اليمن بلد صبور، وربما أكثر صبرًا مما ينبغي. لكن صبر الشعوب لا يعني أنها لا ترى، ولا يعني أنها لا تفهم. فالشعوب قد تصمت طويلًا، لكنها تدرك جيدًا أين تكمن المسؤولية، وأين يبدأ التقصير.

ولهذا فإن أخطر ما قد تواجهه أي سلطة ليس النقد، بل الصمت الذي يتراكم حولها. لأن الصمت حين يتحول إلى قاعدة، يصبح هو الحاكم الحقيقي للواقع، ويغدو أخطر من أي أزمة عابرة.

في النهاية، السلطة ليست قوة تفرض نفسها على الناس، بل ثقة يمنحها المجتمع لمن يتولى مسؤولية خدمته. وحين تهتز هذه الثقة، فإن أول ما يجب كسره ليس صوت النقد… بل سلطة الصمت نفسها.


— ساره عبد الحكيم