آخر تحديث :الأربعاء-11 مارس 2026-10:48م

عملة ال100 ريال وإنزالها للتداول.. مايجب ان نعرفه

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 04:22 ص
مساعد القطيبي

بقلم: مساعد القطيبي
- ارشيف الكاتب


في ظل الظروف الاقتصادية والنقدية المعقدة التي تمر بها البلاد، يأتي قرار البنك المركزي في عدن بإنزال كميات من العملة المحلية من فئة 100 ريال إلى السوق كإجراء يهدف – في ظاهره – إلى معالجة بعض الاختلالات القائمة في هيكل السيولة النقدية المتداولة.


وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن ضخ هذه الكميات من العملة قد جاء أيضاً في إطار تمويل العجز الحكومي وتلبية الالتزامات المالية المتزايدة، وهو أمر أصبح شائعاً خلال السنوات الماضية في ظل محدودية الموارد العامة وتراجع الإيرادات الحكومية.


وخلال الفترة

الماضية، لوحظ أن جزءاً كبيراً من المدفوعات التي يقوم بها البنك المركزي – سواء عبر البنوك أو شركات الصرافة – يعتمد بدرجة ملحوظة على فئة 200 ريال، حيث أصبحت هذه الفئة حاضرة بشكل واسع في التداول اليومي داخل الأسواق. ويعكس هذا الواقع في حقيقته نقصاً واضحاً في توفر الفئات النقدية الأكبر، وبالأخص فئتي 500 و1000 ريال في التداول الفعلي داخل السوق.


ويشير ذلك إلى أن كميات كبيرة من هذه الفئات الكبيرة قد خرجت من الدورة النقدية اليومية، ويرجح أن جزءاً منها أصبح مخزوناً لدى بعض التجار والصيارفة أو محتفظاً به خارج التداول لأغراض مختلفة أهمها دافع المضاربة في سوق الصرف. وهذا ما يؤكد ما سبق أن أشرنا إليه في منشورات سابقة حول تنامي ظاهرة الاكتناز النقدي وتأثيرها على حركة السيولة في السوق.


وي

بدو أن أحد الأخطاء التي وقعت في إدارة السيولة النقدية خلال الفترات الماضية تمثلت في قيام البنك المركزي بإنزال كميات مطبوعة من فئتي 500 و1000 ريال دون أن يرافق ذلك ضخ متوازن للفئات الأصغر مثل 100 و200 ريال، الأمر الذي أدى إلى اختلال واضح في هيكل الفئات النقدية المتداولة. فالفئات الكبيرة يسهل تخزينها والاحتفاظ بها خارج التداول، بينما تتحمل الفئات الصغيرة عبء التداول اليومي في الأسواق.


ونتيجة لذلك، أصبحت الفئات الصغيرة – وعلى وجه الخصوص فئة 200 ريال – تتداول بكثافة تفوق المعدلات الطبيعية، ما أدى إلى تآكلها السريع وتلفها، فضلاً عن خلق صعوبات عملية في عمليات الدفع اليومية، حيث أصبح التعامل بمبالغ بسيطة يتطلب عدداً كبيراً من الأوراق النقدية.


ومن هذا المنطلق، يمكن فهم قرار إنزال كميات من فئة 100 ريال باعتباره محاولة لمعالجة هذا الخلل في هيكل الفئات النقدية وتسهيل ال

تعاملات اليومية في السوق. غير أن من المهم التأكيد هنا أن ضخ هذه الكميات في المرحلة الراهنة قد لا يكون له بالضرورة تأثير سلبي مباشر على سعر صرف العملة، كما قد يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن أي إصدار نقدي جديد.


ففي الواقع، تشير المؤشرات الميدانية إلى وجود شح نسبي في المعروض النقدي من الفئات الكبيرة، وبالأخص فئتي 500 و1000 ريال في التداول الفعلي داخل السوق، نتيجة خروج جزء منها من الدورة النقدية والاحتفاظ بها لدى بعض المتعاملين. وفي مثل هذه الحالة، فإن ضخ فئات نقدية أصغر قد يسهم في تعويض النقص في السيولة المتداولة وتسهيل حركة المدفوعات اليومية دون أن يؤدي بالضرورة إلى زيادة حقيقية في الكتلة النقدية المؤثرة في السوق.


إضافة إلى ذلك، لا يُستبعد أن يكون جزء من هذه الكميات التي تم ضخها يأتي في إطار إحلال نقدي يهدف إلى استبدال الأوراق التالفة أو المتهالكة من الفئات الصغيرة التي تعرضت للاستهلاك الشديد خلال السنوات الماضية نتيجة التداول المكثف. وفي هذه الحالة، فإن العملية لا تمثل توسعاً نقدياً بقدر ما تمثل عملية إحلال للنقد المتداول.


ومع ذلك، فإن فعالية هذه الخطوة ستظل مرتبطة بمدى قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة النقدية في السوق بشكل متوازن، والعمل على إعادة الفئات الكبيرة إلى التداول والحد من ظاهرة الاكتناز النقدي التي أصبحت تؤثر على كفاءة الدورة النقدية.


وفي هذا السياق، تبرز أيضاً أهمية قيام البنك المركزي بالتنسيق مع الجها

ت الحكومية والرقابية ذات العلاقة لضمان التعامل السليم مع الفئات النقدية الصغيرة في السوق، رغم ما تواجهه من رفض في التعامل بها من قبل البنوك وشركات الصرافة وحتى التجار والبائعين بشكل عام إلا وفق قيود محددة، وهذا يفرض على البنك المركزي ضرورة اتخاذ إجراءات واضحة تلزم كافة المتعاملين بالعملة المحلية – بما في ذلك التجار والبنوك وشركات الصرافة – بقبول الفئات الصغيرة من العملة، وبالأخص فئتي 100 و200 ريال، وعدم رفضها تحت أي سقف أو مبرر. فرفض بعض المتعاملين لهذه الفئات أو فرض قيود غير رسمية على قبولها يؤدي إلى تشوهات خطيرة في النظام النقدي ويقوض الثقة في العملة الوطنية، كما يخلق حالة من الفوضى في التعاملات اليومية داخل الأسواق.


وفي النهاية، فإن استقرار النظام النقدي لا يتحقق فقط من خلال إصدار أو ضخ العملة، بل من خلال سياسة نقدية متكاملة قادرة على تحقيق التوازن بين العرض النقدي ومتطلبات النشاط الاقتصادي الحقيقي. وفي ظل الظروف الحالية، فإن إدارة هيكل الفئات النقدية وإعادة تنظيم حركة السيولة في السوق تبقى من بين التحديات الرئيسية التي تواجه السياسة النقدية للبنك المركزي اليمني.