اليمن..... أولاً
تكشف الوثيقة المسرّبة المنسوبة إلى الاستخبارات السوفيتية حقيقة خطيرة عن طبيعة الصراع في جنوب اليمن قبل أحداث يناير 1986 إذ تؤكد أن ما جرى لم يكن مجرد خلاف داخلي بل كان صراعاً على استقلال القرار الوطني في مواجهة تدخلات دولية كانت تسعى للحفاظ على نفوذها في المنطقة واللافت أن الوثيقة تظهر بوضوح أن أكثر شخصية كانت تقلق تلك الدوائر هي الرئيس علي ناصر محمد لأنه بدأ يتجه نحو سياسة وطنية مستقلة تقوم على الانفتاح على محيط اليمن العربي وتنويع العلاقات السياسية والاقتصادية بعيداً عن التبعية لأي طرف خارجي
لقد رأت بعض الدوائر السوفيتية في هذه التوجهات تهديداً مباشراً لنفوذها فجرى تصويرها على أنها انحراف عن الخط الاشتراكي بينما كانت في حقيقتها محاولة لتحرير القرار اليمني وبناء دولة تمتلك استقلالها السياسي والاقتصادي ولهذا أصبح علي ناصر محمد هدفاً لمحاولات الإقصاء والتشويه في سياق صراع لم يكن محلياً فقط بل متشابكاً مع حسابات الحرب الباردة
إن قراءة هذه التسريبات اليوم تكشف أن الرجل لم يكن مجرد قائد عابر بل شخصية سياسية من العيار الوطني الثقيل كانت تفكر بعقل الدولة لا بعقل الفصيل ولهذا بقي اسمه حاضراً في الذاكرة السياسية بوصفه فكرة سياسية قبل أن يكون مجرد اسم في التاريخ فكرة تقوم على أن اليمن يجب أن يكون سيد قراره وأن قوة الدولة تأتي من استقلال إرادتها ووحدة شعبها وأن حل أزمات اليمن لا يمكن أن يتم إلا بعقل وطني قادر على جمع التناقضات وبناء مشروع دولة حقيقية.