بقلم: حسين علي باهميل
منذ سنوات طويلة تُرفع شعارات كبرى في منطقتنا: مقاومة أمريكا، مواجهة إسرائيل، والتصدي للهيمنة الغربية. شعارات تملأ المنابر والخطب، وتُقدَّم للشعوب على أنها معركة وجودية. لكن عندما ننظر إلى الواقع بعيون مفتوحة، يبرز سؤال كبير لا يمكن تجاهله:
هل الصراع فعلاً مع أمريكا… أم أن أرض العرب هي ساحة هذا الصراع؟
أمريكا ليست مجرد قواعد عسكرية في الخليج حتى يُقال إن مصالحها محصورة هناك.
المصالح الأمريكية تمتد عبر العالم، وتشمل أساطيلها العسكرية، وحاملات طائراتها، وبوارجها الحربية المنتشرة في البحار والمحيطات. هذه القطع العسكرية تمثل سيادة وقوة أمريكية أينما وجدت.
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه كاشف:
هل حاملات الطائرات الأمريكية، والبوارج الضخمة التي تجوب البحار، والتي كثيراً ما لا تبعد عن الحرس الثوري الإيراني إلا أميالاً قليلة… ليست مصالح أمريكية؟
إن كانت المصالح الأمريكية – كما يُقال – هي فقط القواعد الموجودة في أراضي دول الخليج، فماذا عن تلك الأساطيل؟
أليست هي رمز القوة الأمريكية؟
أليست هي المصالح الأمريكية المتقدمة في قلب البحار؟
لكن الواقع يكشف مفارقة لافتة:
لا نكاد نرى صداماً مباشراً مع تلك القوة البحرية الهائلة، بينما نرى الصراع يتجه دائماً نحو مكان آخر… نحو الدول العربية.
في العراق، دُمِّرت الدولة.
في سوريا، انهارت المدن.
في لبنان، أُضعفت الدولة.
وفي اليمن، تمزق الوطن.
كل هذه الساحات عربية، وكل هذا الدمار أصاب الشعوب العربية، بينما القوى الكبرى ما زالت تدير صراعاتها من بعيد.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ مثلث الصراع في المنطقة:
أمريكا، وإسرائيل، وإيران.
لكل طرف مشروعه، ولكل طرف حساباته، لكن المأساة أن أرض العرب أصبحت المسرح الذي تتحرك عليه هذه المشاريع. فبدلاً من أن تكون المواجهات بين القوى نفسها، أصبحت الحروب تدور داخل الدول العربية، عبر المليشيات، وعبر الصراعات الداخلية، وعبر استنزاف الدول من داخلها.
ولهذا أصبح المشهد واضحاً لمن يريد أن يفهم:
الدول تُضعف، الجيوش تُفكك، والمجتمعات تُقسم، حتى تبقى المنطقة العربية في حالة صراع دائم لا ينتهي.
لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها العرب هي أن الخطر لا يُواجه بالشعارات، بل ببناء الدول القوية. فالأمة التي تمتلك دولة مستقرة وجيشاً وطنياً واقتصاداً قوياً لا يمكن أن تتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين.
لقد أثبت التاريخ أن لحظات القوة العربية كانت دائماً عندما توحدت الإرادة، كما حدث في مراحل تاريخية وقف فيها العرب صفاً واحداً دفاعاً عن مصالحهم وقضاياهم.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العرب إلى وعي جديد:
وعي يدرك أن أخطر ما يهددهم ليس فقط الأعداء في الخارج، بل تحويل أرضهم إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
فالسؤال الذي يجب أن يطرحه كل عربي على نفسه اليوم هو:
هل سنبقى ساحة صراع للآخرين… أم سنكون أمة تحمي أرضها ومصالحها بوعيها وقوتها ووحدتها؟
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وتلك هي المعركة التي ستحدد مستقبل الأمة