د. محمد احمد السعيدي
لم يحتَر العالم الإسلامي في قضية كما احتار في فهم العلاقة بين أمريكا والدول الغربية مع إيران ، لما يشوب هذه العلاقة من تناقضات ومفاجآت وانعطافات ومطبات يصعب على العقل استيعابها أو تفسيرها بسهولة.
لقد أثارت هذه الإشكالية فضولي منذ زمن بعيد، ولذلك شرعت منذ عام 2015 بالتصدي لها، إلى جانب قضايا أخرى تهمنا وتؤرقنا كعالم إسلامي.
وقد تعمّقت في بحث طويل أعمل -بإذن الله- على نشره في كتاب في أقرب فرصة ممكنة. ونظرًا لتسارع الاحداث وانفجار الوضع الى حد الشروع في حرب مفتوحه ، فقد رأيت أن أنشر مقتطفات منه، لعلها تفيد المختصين والمهتمين في بلداننا.
القضية باختصار شديد هي أنه منذ أن سيطرت الصuنية المسيحية على مفاصل السلطة في الدول المسيحية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وشكّلت ما يُعرف بالدولة العميقة المتحكمة فيها، أصبح العامل الديني هو المحرك الأساس لسياسة هذه الدول.
وهذا يعني أن تلك الدول باتت تسخّر كل ما تملك من قوة ونفوذ لخدمة المصالح الدينية، بدلاً من المصالح الوطنية البحتة لشعوبها. وبالتالي، يمكنني الجزم بأنه لفهم سياساتهم تجاه إيران، لا بد أن نعود إلى النبوءات المذكورة في التوراة والإنجيل.
فالجمهورية الإيرانية بحسب النبوءات المنصوص عليها في الكتاب المقدس، تحظى بقدسيه ومكانها عاليه، تشكّل حجر الزاوية وأهمية دينية بالغة في هذا العصر (نبوءات آخر الزمان). حيث إن إيران، وفقًا لهذه النصوص، أوشكت أن تأخذ مكانتها كـ "كرسي الرب"، تمامًا كالقدس الشريف، وربما أهم – بحسب نبوءاتهم في كتبهم المقدسة.
لكن لتأخذ إيران هذه المكانة، من وجهة نظرهم، يجب انتشالها من النظام السياسي الإسلامي الحالي الحاكم فيها. فوفقًا لتقديراتهم، من المستحيل أن تبلغ إيران هذه المكانة المقدسة، التي تفوق حتى الأماكن المقدسة الأخرى حول العالم، ما دام هناك نظام إسلامي – أيًا كان نوعه – يحكمها.
قد يقول قائل إنهم يدعمون إيران الشيعية ويشجّعونها على مدّ أذرعها لتخريب الدول الإسلامية بل ويشجعون الاقليه الشيعية في كل البلدان الاسلامية، ومن هذا المنطلق فقط يمكن فهم العلاقة. ولكن الحقيقة اليوم مختلفة تمامًا.
ففي مراحل سابقة، كان دعمهم الظاهري للشيعة في دول مختلفة مبررًا، باعتبارهم أقلية. والدول الكبرى، على مرّ التاريخ، كانت ولا تزال تستخدم الأقليات – سواء كانت دينية، عرقية، أو طائفية – لخلق تناقضات ومشاكل داخلية تُضعف البلدان الإسلامية وتجعلها في حالة من التبعية والحاجة لإرضاء تلك القوى الكبرى، التي تشعل هذه الصراعات وتغذّيها عمدًا.
أما اليوم، وبعد أن حققوا نجاحات كبيرة أدّت إلى تفتيت معظم الدول الإسلامية حول الكيان الإسرائيلي، وإضعافها عبر تلك الأدوات – فلم يعد ذلك هو الهدف الأساسي. بل أصبح التركيز الآن على تنفيذ ما يعتبرونه نبوءات يجب تحقيقها في الواقع.
فوفقًا لمعتقداتهم، حان الوقت لتتبوأ إيران مكانتها الجديدة كـ "كرسي الرب". وهم، على عكس المسلمين الذين ينتظرون قضاء الله وقدره، يرون أن عليهم دورًا فاعلًا في تسريع نزول المسيح، ويعتقدون أن من واجبهم تهيئة المسرح لأحداث آخر الزمان.
وهذا الأمر لم يعد مجرّد تعاليم دينية أو أفكار نظرية في رؤوسهم، بل أصبح مشروعًا قائمًا على الأرض، يتم تنفيذه بخطط مدروسة.
فالمتعمق في أدبياتهم ونبوءات كتابهم المقدس، يجد أنهم يصنّفون دول المنطقة المحيطة بالكيان الصهيوني إلى ثلاث فئات، والمعيار الأساسي في هذا التصنيف هو مدى وقوف الدولة مع أو ضد إسرائيل، بل ومدى تشكيلها لأي تهديد على الكيان الإسرائيلي في الماضي، أو الحاضر، أو حتى المستقبل – بحسب تفسيرهم للنبوءات المنصوص عليها في الكتاب المقدس.
بغضّ النظر عن المواقف السياسية الحالية لتلك الدول، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، فالقضية بالنسبة لهم دينية بامتياز، أكثر منها سياسية أو قائمة على المصالح الدنيوية.
فالأساس في كتابهم هو أن أي دولة عادَت الكيان الصهيوني (الذي يسمونه "شعب الله القديم" أو "أبناء الرب") في الماضي، أو تعاديه في الحاضر، أو ستعاديه في المستقبل، سينتقم منها الرب. وفي كثير من الأحيان، يضعون أنفسهم في موقع الوكيل عن الرب لتنفيذ ما يعتقدون أنه مشيئته.
*أولاً: إيران
وفقًا لهذا المنظور، فإن إيران تحتل موقعًا مميزًا ومفضّلًا في هذه المرحلة وما بعدها ، مقارنة بجميع دول الشمال والغرب العربي.