آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-10:53م

سعد جرادات… الفدائي الذي سار أمام الرصاص

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 11:55 م
غسان جابر

بقلم: غسان جابر
- ارشيف الكاتب


في تاريخ الثورة الفلسطينية أسماءٌ لا تُكتب بالحبر، بل بالدم. أسماءٌ صنعت حضورها في الذاكرة الوطنية لأنها عاشت كما يليق بالمقاتلين، ورحلت كما يليق بالشهداء. ومن بين تلك الأسماء التي سكنت ضمير الحركة الوطنية الفلسطينية، يبرز اسم الشهيد سعد جرادات، الاسم الحركي للمناضل عبد القادر علي داود جرادات، أحد أبناء بلدة سعير في محافظة الخليل، وأحد القادة الذين جمعوا بين الفكر والتنظيم والبندقية في زمنٍ كانت فيه الثورة مدرسةً مفتوحةً للتضحية.


لم يكن سعد جرادات مجرد مقاتلٍ في صفوف الثورة الفلسطينية، بل كان نموذجاً لجيلٍ كاملٍ من الشباب الذين خرجوا من القرى والمدن الفلسطينية بعد نكسة حزيران عام 1967 وهم يحملون قناعة راسخة بأن الطريق إلى فلسطين لا يمر إلا عبر النضال الطويل، وأن الكرامة الوطنية لا تُستعاد بالانتظار، بل بالفعل.


البدايات… من سعير إلى دروب الثورة


ولد عبد القادر جرادات عام 1944 في بلدة سعير، تلك البلدة الفلسطينية المعروفة بصلابتها الوطنية وكثرة شهدائها ومناضليها. نشأ في بيئةٍ وطنيةٍ مشبعة بروح الانتماء لفلسطين، وفي زمنٍ كانت فيه القضية الفلسطينية تشكل محور الوعي الجمعي لكل بيتٍ فلسطيني.


تلقى تعليمه الأساسي في بلدته، قبل أن تتفتح أمامه أبواب العمل الوطني مع تصاعد المد الثوري الفلسطيني في أعقاب هزيمة عام 1967. في تلك المرحلة التاريخية المفصلية، التحق الشاب عبد القادر جرادات بحركة فتح، الحركة التي تحولت آنذاك إلى العنوان الأبرز للكفاح المسلح الفلسطيني.


لم يكن انضمامه مجرد خطوة تنظيمية، بل كان بداية لمسارٍ نضالي طويل، جمع فيه بين الدور التربوي والتنظيمي والعسكري.


المعلّم الذي كان يصنع الوعي


في أواخر الستينيات، عمل سعد جرادات مدرساً في منطقة جبل النصر في العاصمة الأردنية عمّان. لكن مهنة التعليم بالنسبة له لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت جزءاً من معركة الوعي.


كان يدرك أن الثورة لا تحتاج إلى السلاح فقط، بل تحتاج أيضاً إلى جيلٍ واعٍ يحمل الفكرة قبل أن يحمل البندقية. ولذلك عمل على تثقيف الأشبال والشباب، وغرس فيهم روح الانتماء الوطني، وربط التعليم بالوعي الثوري.


وخلال تلك المرحلة، أصبح عضواً في لجنة قيادة عمّان، وتولى قيادة منطقة جبل النصر تنظيمياً، ما أظهر مبكراً قدراته القيادية والتنظيمية داخل الحركة.


أيلول الأسود… اختبار النار


جاءت أحداث أيلول الأسود عام 1970 في الأردن لتشكل اختباراً قاسياً للحركة الوطنية الفلسطينية. فقد دخلت قوات الثورة في مواجهةٍ دامية مع الجيش الأردني، انتهت بخروج الفصائل الفلسطينية من الأردن بعد معارك شرسة.


في تلك الأحداث، كان سعد جرادات في قلب المواجهة. شارك ككادر عسكري في صفوف قوات العاصفة، الجناح العسكري لحركة فتح، وقاد مجموعاتٍ مقاتلة في منطقة جبل النصر.


وبعد تلك الأحداث الدامية، واصل القتال في أحراش جرش عام 1971، حيث خاضت القوات الفلسطينية معارك صعبة في محاولة للبقاء على الأرض الأردنية. ومع اشتداد الضغوط، انتقل لاحقاً إلى سوريا، حيث عمل عضواً في لجنة شؤون الأردن داخل حركة فتح.


من سوريا إلى لبنان… اتساع الدور


بين عامي 1971 و1973، ساهم سعد جرادات في العمل التنظيمي داخل لجنة شؤون الأردن، التي كانت تُعنى بإعادة ترتيب أوضاع الكوادر الفلسطينية بعد الخروج من الأردن.


لكن مسيرته لم تتوقف عند العمل التنظيمي فقط. ففي عام 1973 انتقل إلى لبنان، الذي أصبح آنذاك الساحة الرئيسية للنضال الفلسطيني.


في لبنان، استكمل دراسته الجامعية، وفي الوقت نفسه انخرط في العمل الطلابي والسياسي. وانتُخب نائباً لرئيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين – فرع لبنان، وهو موقع يعكس المكانة التي حظي بها بين رفاقه.


غير أن دوره لم يقتصر على العمل الطلابي؛ فقد كان يؤمن بأن الطلبة يجب أن يكونوا جزءاً من المشروع النضالي الشامل.


السرية الطلابية… حين يصبح الطالب مقاتلاً


في عام 1975، ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، بادر سعد جرادات إلى تأسيس ما عُرف بـ السرية الطلابية، وهي تشكيل عسكري ضم عدداً من طلبة حركة فتح في لبنان.


كانت الفكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن يتحول الطلبة من مجرد ناشطين سياسيين إلى مقاتلين يدافعون عن المخيمات الفلسطينية.


سرعان ما تم ضم هذه السرية إلى قوات العاصفة، لتصبح جزءاً من البنية العسكرية لحركة فتح.


وفي تلك المرحلة أيضاً، برز سعد جرادات كأحد رموز التيار اليساري داخل الحركة، وهو التيار الذي كان يرى أن الصراع مع الاحتلال وحلفائه هو صراع طويل الأمد، يتطلب بناء حرب تحرير شعبية ممتدة.


بيروت 1976… المعركة الأخيرة


في صيف عام 1976، كانت بيروت تعيش واحدة من أكثر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية دموية. وكانت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وعلى رأسها مخيم تل الزعتر، تتعرض لحصارٍ قاسٍ من قبل قوات الكتائب اللبنانية.


تحول مخيم تل الزعتر إلى رمزٍ للمأساة والصمود في آنٍ واحد. آلاف المدنيين والمقاتلين كانوا محاصرين تحت القصف والجوع.


في تلك اللحظة التاريخية، قرر المقاتلون الفلسطينيون شن هجمات مضادة من مناطق شرق بيروت لكسر الحصار.


وكان سعد جرادات في مقدمة أولئك الذين قرروا التقدم نحو الخطر.


رأس النبع وبرج الناصرة


في الخامس والعشرين من حزيران عام 1976، قاد سعد جرادات هجوماً من مشارف برج الناصرة باتجاه منطقة الأشرفية، في محاولة لدعم مخيم تل الزعتر وفك الحصار عنه.


تقدم أمام رفاقه وهو يحمل سلاحه، وسط كثافةٍ هائلة من النيران.


كانت تلك اللحظة تختصر شخصيته كلها: قائدٌ يقاتل في الصف الأول، لا خلف المقاتلين.


خلال الاشتباكات أصيب إصابةً بالغة، وسقط على الأرض. أُسر وهو جريح من قبل قوات الكتائب اللبنانية.


لكن المأساة لم تتوقف عند الأسر.

فقد تعرض الشهيد سعد جرادات لعملية تصفيةٍ بشعة؛ حيث تم ربطه بسيارة عسكرية وسحله في شوارع الأشرفية قبل قتله، في مشهدٍ يلخص وحشية تلك المرحلة من الحرب.


ومنذ ذلك اليوم، اختفى جثمانه ولم يُعثر عليه حتى الآن.


لكن الغياب الجسدي لم يكن يوماً نهاية الحكاية.


شهيد بلا قبر… لكن بذاكرة وطن


لم يُعثر على جثمان سعد جرادات حتى اليوم، لكن اسمه بقي حاضراً في ذاكرة رفاقه وأبناء شعبه.


فالشهداء الحقيقيون لا يحتاجون إلى قبورٍ كي يُخلَّدوا.


يكفي أن تبقى قصتهم حيّة في الوعي الوطني، وأن تتحول سيرتهم إلى جزءٍ من السردية الفلسطينية التي تروي للأجيال معنى التضحية.


لقد كان سعد جرادات نموذجاً للفدائي الذي جمع بين الفكر والتنظيم والشجاعة الميدانية، وهو نموذجٌ نحتاج إلى استحضاره دائماً حين نتحدث عن تاريخ الثورة الفلسطينية.


إلى الشباب الفلسطيني


أيها الشباب الفلسطيني…


إن ذكرى الشهداء ليست مجرد استعادةٍ للماضي، بل هي دعوةٌ مفتوحة للمستقبل.


لقد كان سعد جرادات شاباً في مقتبل العمر حين قرر أن يجعل من حياته مشروعاً للنضال. لم يكن يملك سلطةً ولا مالاً، لكنه كان يملك ما هو أثمن: الإيمان بفلسطين.


واليوم، يحتاج المشروع الوطني الفلسطيني إلى جيلٍ جديدٍ يحمل تلك الروح.

جيلٍ يؤمن بأن بناء الوطن لا يكون فقط بالبندقية، بل أيضاً بالعلم والعمل والتنظيم والإبداع. جيلٍ يفهم أن معركة فلسطين طويلة، وأن الانتصار فيها يحتاج إلى صبرٍ وإرادةٍ وعقلٍ منفتح على المستقبل.


إن الشهداء لم يقدموا حياتهم كي نبقى أسرى الإحباط أو الانقسام، بل كي نواصل الطريق بثقةٍ أكبر.


ولذلك، فإن أفضل وفاءٍ لذكرى سعد جرادات وكل شهداء فلسطين هو أن نحافظ على الحلم الذي عاشوا من أجله: فلسطين الحرية والكرامة والعدالة.


فالأوطان لا تُبنى فقط ببطولات الماضي، بل أيضاً بإرادة الحاضر وإبداع المستقبل.


وهكذا، سيبقى اسم سعد جرادات حاضراً في سجل الفدائيين الذين كتبوا تاريخ فلسطين بدمهم… وساروا أمام الرصاص كي يبقى الوطن حيّاً.


م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.