آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:35ص

أفغانستان وباكستان .. جراح الحدود وأمل السلام

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 01:02 ص
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


بين مطرقة الجغرافيا وسندان التاريخ، تبرز العلاقة الأفغانية الباكستانية كواحدة من أكثر العقد الجيوسياسية تعقيداً في العصر الحديث؛ صراعٌ لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات أمنية واجتماعية ضربت جذورها في أعماق القرن التاسع عشر. فمنذ أن خطّت أيادي الاستعمار البريطاني "خط دوراند" عام 1893، وُلدت حدودٌ لم تعترف بها الروح الأفغانية يوماً، معتبرة إياها جداراً تعسفياً شطر الجسد القبلي "الباشتوني والبلوشي" إلى نصفين، ليبقى هذا الجرح النازف يغذي التوترات الحدودية عبر العقود، ويحول دون استقرار حقيقي ينشده الشعبان.

ولم تكن الحروب التي نهشت الجسد الأفغاني منذ السبعينيات مجرد شأن داخلي، بل تحولت إلى زلزال اجتماعي دفع بملايين اللاجئين نحو الأراضي الباكستانية، وهو ما خلق ضغوطاً اقتصادية وتداخلات سياسية وعسكرية معقدة، تبادلت خلالها كابل وإسلام آباد الاتهامات بدعم الجماعات المسلحة وزعزعة الاستقرار المتبادل. وفي خضم هذه التجاذبات، تبرز مفارقة مؤلمة؛ فرغم أن البلدين يرفعان شعار الهوية الإسلامية، إلا أن الممارسة السياسية غالباً ما تسقط في فخ الموروث الاستعماري الذي يعلي من شأن "قداسة الحدود" المصطنعة على حساب "قداسة الدم" والإنسان، متجاهلة النداء القرآني الخالد: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".

إن هذا التغافل عن البعد الروحاني والإنساني أبقى الشعوب ضحية للصراعات، بينما هي الأحق بقطاف ثمار الاستقرار. ففي وجوه الأفغان التي تعكسها شاشات التلفاز، تظهر فصول من القهر والنزوح وصدمات العقود العجاف، مما يجعلهم اليوم في أمسّ الحاجة إلى "استراحة محارب" حقيقية تضمد جراح الماضي وتمنحهم فرصة التعافي. لذا، فإن أي رؤية حقيقية للحل يجب أن تضع كرامة الإنسان وسلامته فوق كل اعتبار قبلي أو حساب سياسي ضيق، منطلقة من قلب المعاناة لتصيغ مستقبلاً أكثر رحمة.

إن استدعاء فتن الماضي في هذا التوقيت الدقيق الذي تشن فيه القوى المعادية حروبها الوجودية على الأمة، ليس إلا استنزافاً لما تبقى من دماء في عروقنا. إن حالة التشظي التي يغذيها النزاع الحدودي تفتح الأبواب مشرعة أمام المشاريع الصهيونية والاستعمارية لضرب عناصر قوتنا؛ لذا فإن التصالح الأفغاني الباكستاني اليوم ليس ترفاً ديبلوماسياً، بل هو ضرورة حتمية للاصطفاف في وجه الانكسار الكبير.

إن العبور نحو سلام دائم لن يمر عبر بوابة حل الخلافات التاريخية وحدها، بل عبر تعزيز الوحدة المجتمعية، وتعميق الثقة بين الشعوب والقيادات، والدفع بعجلة التنمية الاقتصادية لتعويض ما دمرته الحروب. إن دمج الحكمة السياسية بالعدالة الاجتماعية، والتصالح مع التاريخ من منظور القيم الإسلامية والإنسانية، هو السبيل الوحيد لاستبدال منطق الانتقام والنفوذ الضيق بحياة تسودها الطمأنينة والازدهار المشترك، ليعيش الشعبان في كنف جيرة آمنة ومستقبل واعد.