آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-08:09م

ذكرى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 06:13 ص
هانم داود

بقلم: هانم داود
- ارشيف الكاتب


منارة العلم وشجاعة الحق

يعد الإمام علي بن أبي طالب شخصية استثنائية في التاريخ الإسلامي؛ فهو الرجل الذي اجتمعت فيه خصال قلما تجتمع في غيره. هو ابن عم النبي محمد ﷺ، وصهره، وأول من آمن به من الصبيان، والرابع من الخلفاء الراشدين. لم تكن حياته مجرد محطات تاريخية، بل كانت مدرسة متكاملة في الزهد، والشجاعة، والفصاحة، والعدل.


النشأة والتربية النبوية

ولد علي بن أبي طالب في جوف الكعبة، وهو شرف لم ينله غيره، ونشأ في كنف النبي ﷺ، فتأثر بأخلاقه واقتبس من نوره. هذه التربية الخاصة جعلت منه “باب مدينة العلم”، كما وصفه الرسول الكريم. منذ نعومة أظفاره، كان علي يمثل نموذج الفتى المؤمن الذي لا يتردد في نصرة الحق، وقد تجلى ذلك بوضوح ليلة الهجرة عندما نام في فراش النبي ﷺ، مفدياً إياه بروحه، في أول عملية تضحية بطولية سجلها التاريخ الإسلامي.


فارس الميدان وحكيم المنبر

في الميدان، كان علي بن أبي طالب الفارس الذي لا يُشق له غبار. لم يتخلف عن غزوة مع رسول الله إلا “تبوك” حين استخلفه على المدينة. كانت صولاته في “بدر” و”أحد” و”الخندق” و”خيبر” شاهدة على قوة لا تلين، لكنها كانت قوة منضبطة بأخلاق الفروسية، فلا يجهز على جريح ولا يتبع مدبراً.


أما في الفكر والأدب، فقد كان الإمام سيد البلغاء. ويعد كتاب “نهج البلاغة”، الذي يجمع خطبه ورسائله، مرجعاً أساسياً لكل باحث عن الحكمة وفنون القول. تميز أسلوبه بالعمق الفلسفي والقدرة على شرح أدق مسائل التوحيد والعدالة الاجتماعية بكلمات تلمس الوجدان.


الخلافة ومنهج العدالة

حين تولى الإمام علي الخلافة في ظروف استثنائية، وضع نصب عينيه تطبيق العدالة المطلقة. كان يرى الخلافة وسيلة لإقامة الحق لا غاية في حد ذاتها. اشتهر بزهده الشديد، فكان يلبس الخشن ويأكل البسيط وهو حاكم الدولة الإسلامية المترامية الأطراف.

“يا دنيا غري غيري.. قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها.”

بهذه الروح، أدار شؤون الأمة، محارباً الفساد المالي والإداري، ومؤصلاً لمفهوم “حقوق الرعية” و”واجبات الراعي” في رسالته الشهيرة لمالك الأشتر حين ولاه مصر، والتي تُدرس حتى اليوم في المحافل الدولية كوثيقة تاريخية للإدارة الرشيدة.


الأثر الباقي

رحل الإمام علي شهيداً في محراب الصلاة، لكنه ترك خلفه إرثاً لا يمحوه الزمن. إنه ليس مجرد بطل للمسلمين فحسب، بل هو رمز إنساني عالمي لكل من ينشد العدالة والكرامة. لقد علمنا علي أن القوة الحقيقية ليست في غلبة الناس، بل في غلبة النفس، وأن العلم هو الحصن المنيع الذي يحمي الأمم من الفتن.


تُحيي الأمة الإسلامية ذكرى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب في الحادي والعشرين من شهر رمضان من كل عام، وهي ذكرى تحمل في طياتها الكثير من المشاعر الإيمانية والقيم الإنسانية التي جسدها الإمام في لحظاته الأخيرة.

1. ليلة الغدر والمحراب

وقعت حادثة الاعتداء في فجر التاسع عشر من رمضان سنة 40 هجرية، أثناء سجوده في صلاة الفجر بمسجد الكوفة. وتأتي الذكرى لتؤكد على شجاعة الإمام وثباته، حيث استقبل ضربة “ابن ملجم” بجملته الشهيرة التي خلدها التاريخ:

“فزتُ ورب الكعبة”

2. وصيته الخالدة (دستور أخلاقي)

في ذكرى استشهاده، يستذكر المسلمون وصيته الأخيرة لولديه الحسن والحسين وللأمة جمعاء، وهي وصية تعد منهجاً للحياة، ومن أبرز ما جاء فيها:

تقوى الله ونظم الأمر: أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم.

رعاية اليتامى والجيران: الله الله في الأيتام.. الله الله في جيرانكم

صلاح ذات البين: التأكيد على أن إصلاح العلاقات بين الناس أفضل من عامة الصلاة والصيام.

3. تجسيد قيم العدل حتى مع القاتل

من أعظم ما يُذكر في هذه المناسبة هو موقف الإمام علي من قاتله وهو على فراش الموت؛ حيث أمر ابنه الحسن بأن يطعم الأسير ويسقيه، وألا يمثّل به، قائلاً: نفسٌ بنفس، فإن أنا متُّ فاقتلوه كما قتلني، وإن عفوتُم فهو أقرب للتقوى. وهذا يبرز قمة العدالة الإنسانية التي لم تغب عنه حتى في لحظات النزع الأخير.

4. دروس الزهد والتضحية

تُستغل هذه الذكرى لتسليط الضوء على زهد الإمام الذي كان يحكم دولة تمتد من حدود الصين إلى أطراف أوروبا، ومع ذلك خرج من الدنيا ولم يترك خلفه درهماً ولا ديناراً إلا بقية من عطائه.

5. المجالس والمحاضرات

تُقام في الكثير من البلدان الإسلامية مجالس العزاء والمحاضرات الفكرية التي تتناول:

سيرته في الحكم وإدارة الدولة.

بلاغته وفصاحته في نهج البلاغة.

دوره في حماية وحدة الأمة الإسلامية وتجنب الفتن.


في فضل العلم والعقل

كان الإمام يرى أن قيمة المرء تكمن في معرفته، وليس في ماله أو نسبه.


العلم خير من المال: العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق.

قيمة المرء: قيمة كل امرئ ما يحسنه.

زكاة العقل: كفاك أدباً لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك.

أصل الجمال: ليس الجمال بأثواب تزيننا، إن الجمال جمال العلم والأدب.

2. في مكارم الأخلاق والزهد

تميزت أقواله بالتركيز على إصلاح النفس والترفع عن صغائر الأمور.


ضبط النفس: أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.

تعريف الغنى: الغنى الأكبر القنوع.

خطر الكبر: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة وآخره جيفة، ولا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه.

الإخلاص: من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس.

3. في التعامل مع الناس والسياسة الاجتماعية

قدم الإمام دستوراً أخلاقياً للتعامل مع الصديق والعدو على حد سواء.


قاعدة التعامل: احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك.

مصاحبة الأخيار: صحبة الأخيار تكسب الخير، كريح العطار إذا مرت عليك نالك من طيبها.

الإنصاف: اجعل نفسك ميزاناً في ما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها.

الصمت والحكمة: إذا تم العقل نقص الكلام.

4. في مواجهة الشدائد والدهر

كلمات تمنح الصبر والقوة عند تقلبات الأيام.


طبيعة الدنيا: الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع فيها نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.

تغير الأحوال: دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.

الصبر: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد.