آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-08:09م

ليندا

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 05:12 م
سلوى يحيى الارياني

بقلم: سلوى يحيى الارياني
- ارشيف الكاتب


باقات في كل اتجاهات شقتي. في كل ركن من اركانها اكاليل زهور تعلو أرجل خشبية أشعرتني انني في كواليس فيلم مصري من أيام الثمانينات عندما كانت الزهور ترتكز على رافعات خشبية كأرجل ثلاثية. الزهور تتزاحم. بعضها يقف شامخا، مستقلا، واثقا من نفسه. البعض الآخر فوق الطاولات داخل سلال تضمها وتحتويها، لأنها إذا بقت بلا حضن تضيع. بعض الزهور ملفوفة بورق شفاف ومسنودة الى الجدار لأن الطاولات كانت ممتلئة، أو ربما هي ضعيفة تحتاج لمن تستند اليه. للزهور أحوال مثل أحوالنا نحن البشر. استحيت وانا ارفع قامتي على أطراف اصابعي لأقرأ الكرت الملصق فوق الزهور المرتكزة فوق أرجل خشبية لأنها فاقتني طولا.


في تلك اللحظة تمنيت لو كان اسمي ليندا أو ناتالي لربما الأسماء تعكس حظا سعيدا على الشخص. الباقات هذه كلها مرسلة إلى بمناسبة " عدم شفائي" من الصبر. اذاَ سأستأنف الرحلة. جولة جديدة مع الصبر نتبارز هو وأنا. نتقابل في جلوسنا، واضعين كوعينا على الطاولة لنتبارز. سأفوز أنا طبعا لأنني إنسان بينما هو إحساس. ما علينا، الحياة ُعقد من خرز. خرزا صغيرا من اللؤلؤ هي السعادة. بينما اغلب العُقد مكون من خرز أسود داكن، مثل القلوب السوداء، النفوس السوداء، العقول السوداء، الحقد الأسود، والنرجسية السوداء. ماذا لوكان اسمي ليندا، ديانا او كارولين؟ بلاش ديانا فقد ماتت في حادث سيارة داخل نفق.

اللهم ابعد عني ديانا. بنات الأجانب يعشن ومن حولهن يحترم إنسانيتهن، حريتهن، وكرامتهن.


تمنيت لو أن " بأسي" يأتيني ليلا وانا نائمة لأتخلص من ظلم من حولي.. دعوت الله أن يأتيني بأسي ضحى وأنا ألعب. أما عمري كله هكذا مغلوبة والغلبة للأشرار فأنا لا أريد أن ألعب! يتنكر الأشرار بوجوه صديقة. لكن هيهات مني الخديعة فأنا أعرف أصدقائي جيدا. يضع الأشرار على وجوههم أقنعة أشخاص قريبون منا. يعيشون بيننا. أنا منذ طفولتي لا ألبي دعوات الحفلات التنكرية فلم اتنكر يوما. فكيف اليوم مطلوب مني أن اتعامل مع متنكرين. بكل بساطة لا أعرف كيف أفعل.


من صاغ هذا القانون الظالم؟ ظالم واحد يحكم أغلبية. فردا واحدا يسخر الأغلبية لهواه والأغلبية ُصم ُبكم بكل سلبية. بكل أريحية، يبتدع طقوس كيف ما شاء له هواه. يلعب بجميع الأجيال وتستحيل الأجيال بين يديه ُدمى.


قررت ألا أكون قوية، بل أن اكون أنا الأقوى. فتحت نافذة غرفتي ورميت منها سلال الزهور والباقات الملفوفة بورق شفاف. أما الزهور التي ترتكز على أرجل فكانت ثقيلة. فتحت باب شقتي ودحرجتها من رأس الدرج فتزحلقت حتى استقرت عند باب المدخل. لن أتعامل بعد ألان مع كاذبين ولا منافقين ولا مرضى نفسيين يسرحون ويمرحون بلا علاج. لا يباركون لي على نجاحي، بينما يسارعون بإرسال باقات زهور، مباركين لي مواصلة صبري. أتظنون الصبر أغنية؟ نرقص عليها سوية؟ صدقا أنتم من لا أجد كلمة لأنعتهم بها. لكنكم أكثر ضراوة من ثعابين البرية.


أصبحت شقتي خاوية الا من الأثاث. لا بأس، سيعوضني ربي فإنه مع الصابرين.


مالك العمارة يسكن معنا في نفس العمارة في الدور الخامس، لكنه بلا ثقل، بلا قيمة، ولا حتى شخصية. يترك مستأجرين القبو يتحكمون ويديرون أمور العمارة ويتحكمون ب

المستأجرين! يمثلون دور المتفهم لظروف الناس القاسية، فيقولون لمالك العمارة بألا يمر على مستأجرين شققه لجمع الإيجار فظروف الناس صعبة والناس ليس لديها مال. حنون ساكن الدور الخامس. ثم يأتي ساكن الدور الخامس هو بنفسه ليهدد بطردنا من العمارة إن لم ندفع الإيجار له هو. كاذب ومحتال ساكن القبو! يتكلم كلام جميل في حقنا وفي حق العمارة. ثم يهدد أمننا، يحبس بعض من يرفضون الدفع في غرفة في القبو، ويرهب الكل ليسكتوا. أرعبنا كلنا في العمارة. إنها النفس أنا أعرفها. نفسه أمرته بالسوء، معروف انها أحيانا تكون بالسوء أمارة.


مستأجرين شقق العمارة وأنا من ضمنهم لماذا نسكت على ظلم سكان القبو؟ مجموعة بدائية همجية! نعرف جميعا انهم نصابون ولصوص ولكنا نخافهم فنسكت. لديهم خزائن ممتلئة من الأعذار الكاذبة. لقد قالوا للسكان آخر مرة أنهم يأخذون الإيجار لأنهم " ينظفون درج وسطح" العمارة. ينظفون السطح؟ يمسحون الدرج؟ ما شاء الله عليهم معهم ألف حجة ويكذبون بلا أدنى حرج. نحن نطالب بالأمان ولا نطالب أن تبرق الدرج. نطالب بقانون ونظام، لا فوضى وهرج ومرج!


تسللت في إحدى الليالي لأرى كيف نظفوا السطح الذي أساسا لا يهمنا في شيء. وجدت حمامة قد باضت بعد أن بنت عشا ورأيت عناكب كثيرة. الأرض يغطيها الغبار. الغبار من عصور أهل القبو فهم أتوا من عصور غابرة. ضحكت على الكذب. لم يفكر أحد إلا أنا أن يصعد ليرى هل فعلا ينظفون السطح أم لا. كنا كلنا نبحث عن رزق ُنطعم به أسرنا.


سكان القبو يشبهون البوم. أتنتصر علينا بومة ونحن كرمنا الله عندما خلقنا بشر. لكن البومة جعلت كل إنسان مهزوم!


سكان القبو عندما التقي أيا منهم في دخولي او خروجي من العمارة أهرب عدوا. ليسوا بشر لكننا نقول لأنفسنا فرضا لو كانوا بشر فرضا، فرضا. ماذا كنا فاعلين؟ كنا أولا سنفتح صدورهم للتأكد من أن لهم قلوب. ثم سنفتح رؤوسهم للتيقن بأن لهم عقول. ثم أننا بعد ذلك لتركنا العقاب يصول ويجول.