اللواء الركن/
سعيد محمد الحريري
كان لي صديق انفصالي… بل انفصالي إلى حدّ الانفصام.
لم يكن الأمر عنده مجرد موقف سياسي أو رؤية قابلة للنقاش، بل كان أشبه بعقيدة صارمة لا تقبل المراجعة. كان يقاطع السَّلتة لأنها – في نظره – يمنية شمالية، ويتجنب القات لأنه يعتبره أيضاً من “ثقافة الشمال”. حتى الطعام والمجالس والعادات اليومية صارت عنده جزءاً من معركة الهوية التي يخوضها بشراسة.
كان يحدثنا طويلاً عن الانفصال، وعن الهوية الجنوبية الخالصة، وعن ضرورة القطيعة مع كل ما يمتّ لليمن بصلة. كان كلامه حاداً، ومواقفه متشددة، وكأن المسألة عنده قضية وجود لا تقبل المساومة.
لكن الحياة – كما نعرف – مليئة بالمفاجآت.
مؤخراً تم تعيين صديقي نفسه في منصب ضمن إطار دولة الوحدة اليمنية. ومنذ اللحظة الأولى للتعيين، تغيّر المشهد سريعاً وبشكل لافت. لم نعد نسمع ذلك الخطاب المتشنج، ولم تعد السَّلتة والفحسة والقات مشكلة “هوية”، بل اختفت تلك الحساسية فجأة.
الأكثر لفتاً للنظر أن صديقي ارتدى الميري اليمني بكل فخر، ووضع الرتبة اليمنية على كتفه، ورفع الشعار اليمني دون أي حرج.
عندها أدركت أن بعض الشعارات التي تبدو صلبة في الخطب والجدالات، قد تكون في الواقع أقل صلابة عندما تقف أمام اختبار المنصب والمصلحة. فالكلمات الكبيرة يسهل رفعها في الهواء، لكن وزنها الحقيقي يظهر عندما تتقاطع مع الواقع.
القضية هنا ليست في شخص بعينه، فهذه ظاهرة عرفتها السياسة في كل مكان. كثيرون يرفعون الشعارات بأصوات عالية، لكنهم عندما يقتربون من السلطة تتبدل اللغة، وتلين المواقف، وتتغير القناعات.
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه عميق:
هل كانت تلك القناعات حقيقية منذ البداية؟ أم أنها كانت مجرد شعارات تصلح للمنابر أكثر مما تصلح للحياة؟
التجربة علمتني درساً واضحاً:
ليس كل من يرفع شعاراً يؤمن به حقاً… فبعض الشعارات تسقط عند أول اختبار، واختبارها الحقيقي ليس في الكلام، بل في الموقف عندما تقترب المصالح والسلطة.
وهكذا، بقي صديقي كما هو صديقاً عزيزاً، لكن قصته تركت في ذهني قناعة راسخة:
في السياسة، كثير من الشعارات لا تهزمها الحجج… بل يهزمها المنصب.