في ذاكرة الريف اليمني، وخاصة في سهول دلتا أبين ولحج، تختزن الذاكرة الشعبية حكايات جميلة ارتبطت بالأرض والمواسم الزراعية التي صنعت حياة الناس، وملأت قلوبهم بالأمل والعمل. ومن بين تلك الحكايات تبرز قصة القطن، أو كما كان يُعرف بين المزارعين باسم (العطب)، ذلك المحصول الذي أطلق عليه الناس لقب الذهب الأبيض، ليس فقط لنقاء لونه، بل لما كان يجلبه من خير وبركة إلى بيوت المزارعين.
كان موسم جني القطن مناسبة ينتظرها الجميع بشوق كبير، لأنه لم يكن مجرد موسم زراعي عادي، بل كان موسم الفرح والعمل والرزق، حيث تتحرك فيه الحياة في الحقول والبيوت معاً.
حين تتفتح لوزات القطن
مع اقتراب موسم الجني، كانت لوزات القطن تتفتح في الحقول، ويظهر زغبها الأبيض الناصع كأنه قطع من الغيم هبطت على الأرض. وعند بدء الجني تمتلئ الحقول بالرجال والنساء والأطفال، كلٌ يحمل كيسه ويجمع القطن وسط أجواء من التعاون والبهجة.
وكانت الأهازيج الشعبية تتردد بين صفوف الحقول، تعبيراً عن الفرح بالمحصول، ومن أجمل ما كان يتردد في تلك الأيام كلمات الأغنية الشهيرة التي كتبها الشاعر عبدالله هادي سبيت، ولحنها فضل محمد اللحجي، وغناها الفنان الكبير محمد مرشد ناجي، حيث تقول كلماتها:
بانجناه من غصنه… واها بوي من حسنه
يشفي القلب من حزنه
بانجنى الذهب الأبيض…
لا يدوّل ولا يأرَض
عاده لا دوّل بيّض
كانت هذه الكلمات تتردد في الحقول وكأنها تصف المشهد أمام المزارعين: قطن أبيض جميل يملأ الأرض، وقلوب تفرح به كما يفرح الطفل بلعبته الجديدة.
موسم جني القطن تتحرك فيه الحياة
لم يكن القطن مجرد محصول زراعي، بل كان اقتصاداً متكاملاً لقرى الريف. ففي موسمه كان المزارع يستطيع أن يسدد ديونه التي تراكمت عليه طوال العام، وربما يخطب لابنه أو يزوجه بعد أن تحسنت أحواله. وقد يبدأ ببناء منزل جديد لأسرته، أو يشتري سيارة نقل تساعده في عمله، أو يقتني حراثة زراعية توسع نشاطه في الأرض.
وكان كبار السن يرددون دائماً:
(إذا جاء موسم جني القطن… تحركت الحياة في القرية كلها.)
صورة من زمن لا يُنسى
لقد رأينا بأعيننا كيف كانت الحقول تتحول في موسم القطن إلى خلية عمل ونشاط. وكان لي شرف المشاركة في جني القطن بشكل جماعي في أرضنا الخاصة وفي أرض جيراننا.
كانت الأكياس تمتلئ بالقطن، والأهازيج تعلو في الهواء، والضحكات لا تتوقف، وبعض المزارعين يرددون كلمات الأغنية وهم يجمعون القطن:
بانجناه من غصنه…
بانجنى الذهب الأبيض…
وكأنهم يحتفلون بالرزق الذي أهدته لهم الأرض.
الصبوح… لحظة دفئ في قلب الحقل
ومن أجمل وأروع اللحظات التي لا تُنسى للعاملين في جني محصول القطن تلك اللحظات التي يحين فيها موعد الفطور أو ما يُعرف بين المزارعين بـ (الصبوح.)
حينها يتجمع الجميع تحت ظل شجرة السدر (العلب)، هاربين من حرارة الشمس بعد ساعات من العمل في الحقل.
هناك تتعالى الأحاديث والضحكات، ويتلذذ الجميع بما تيسر من طعام بسيط، ويحتسون الشاي الساخن أو القهوة السادة. وتتحول تلك الاستراحة القصيرة إلى لحظة دفء إنساني جميلة، تعيد للنفس نشاطها وتمنح العاملين طاقة لمواصلة العمل بروح من الألفة والتعاون.
كانت تلك اللحظات الصغيرة تختصر معنى الحياة الريفية الحقيقية: عملٌ مشترك، وبساطة، ومحبة بين الناس.
ذاكرة الريف الجميل
ذلك الزمن كان بسيطاً، لكنه كان مليئاً بالبركة. كانت الأرض تعطي، والناس تتعاون، والفرحة تعم الجميع. لم يكن القطن مجرد محصول زراعي، بل كان حكاية رزق وأمل وحياة لآلاف الأسر في الريف اليمني.
واليوم، ما زال كثيرون يستعيدون تلك الأيام بمحبة وحنين، وهم يقولون:
ذلك هو الزمن الجميل… وربما لن يتكرر.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الكثيرون......
هل سيعود ذلك الزمن؟
وهل سيعود القطن ليغطي سهول أبين ولحج كما كان في الماضي؟
سؤال نترك إجابته للأيام… ولمن يملك الرؤية والإرادة لإحياء هذا الذهب الأبيض من جديد.
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين
14 مارس 2026م