آخر تحديث :الأحد-15 مارس 2026-10:30م

٢٧ رمضان.. ذكرى الأبطال ومحطة لاستحضار دروس النصر

الأحد - 15 مارس 2026 - الساعة 06:38 م
د محمد علي مارم

بقلم: د محمد علي مارم
- ارشيف الكاتب


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والص

لاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


في الذكرى الحادية عشرة لتحرير عدن ونصرة شرعية الدولة اليمنية، نستحضر محطة وطنية خالدة شكّلت منعطفًا تاريخيًا أعاد للدولة حضورها، وللشرعية اعتبارها، وللوطن بوصلته. لقد كان يوم السابع والعشرين من رمضان علامة فارقة في تاريخ اليمن الحديث، يوم توحّدت فيه الإرادة الوطنية مع الدعم الأخوي الصادق، لتُكتب صفحة مشرقة من صفحات التضحية والصمود.


وفي هذه المناسبة نستحضر بكل فخر وامتنان مواقف الرجال الذين اصطفّوا دفاعًا عن الدولة وعن مدينة عدن، وفي مقدمتهم فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي قاد تفاصيل تلك المرحلة الدقيقة من مكتبه في العاصمة المؤقتة عدن، بثبات وإيمان بمستقبل الوطن. كما نتوجه بالتحية والتقدير لقيادة المملكة العربية السعودية، ملوكًا وأمراء، الذين ساندوا الشرعية منذ اللحظة الأولى لانطلاق عمليات التحالف في فجر السادس والعشرين من مارس 2015، وكانوا سندًا رئيسيًا للمقاومة في مواجهة الانقلاب.


وقد كان لي شرف تمثيل القائد الأعلى وتحمل مسؤولية مدير مكتب رئاسة الجمهورية خلال تلك المرحلة المفصلية، حين كانت عدن تواجه أخطر التحديات، وكانت مؤسسات الدولة تتعرض لمحاولة اجتثاث غير مسبوقة. ومع ذلك، ظل الإيمان بوطنٍ آمنٍ ومستقر حاضرًا في وجدان كل المخلصين الذين وقفوا دفاعًا عن الدولة والشرعية.


وفي هذه الذكرى العظيمة نجدد العرفان والوفاء لكل شهداء محافظة عدن والجنوب، وللأشقاء من الدول العربية والخليج الذين قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الشرعية والدولة. ويأتي في مقدمة هؤلاء الشهيد اللواء علي ناصر هادي، قائد المنطقة العسكرية الرابعة، الذي ارتقى في ميدان الشرف مدافعًا عن العاصمة عدن وشرعية الدولة في مواجهة الانقلاب الحوثي وقوات صالح التي زحفت بإمكانات الجيش ومعسكرات الدولة.


كما نستذكر تلك الأيام العصيبة التي واجهت فيها القيادة الشرعية تحديات كبيرة في ظل تعقيدات المشهد السياسي وال

عسكري، حيث مرّت البلاد بمرحلة دقيقة اختلطت فيها التقديرات وتباينت المواقف. ومع ذلك ظل الهدف الوطني الجامع حاضرًا لدى كثير من القيادات والشخصيات التي أدركت خطورة اللحظة التاريخية.


وفي خضم تلك الظروف الحساسة صدرت توجيهات لعدد من القيادات الجنوبية للعمل على توحيد الصفوف وتعزيز الجبهة الداخلية. وقد سادت حينها حالة من التردد لدى بعض الأطراف نتيجة تعقيدات المرحلة، كما شهدت عدن إعادة ترتيب لبعض الأوضاع الأمنية، الأمر الذي وضع فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي أمام مسؤوليات كبيرة في إدارة الموقف والحفاظ على مسار الدولة في واحدة من أصعب لحظات التاريخ اليمني الحديث.


كما شهدت تلك المرحلة تباينًا في المواقف والتقديرات بين بعض القوى والشخصيات السياسية والعسكرية، وجرى خلالها عدد من الاتصالات والمبادرات التي عكست حجم التعقيد الذي كانت تمر به البلاد آنذاك. غير أن قيادات وطنية مخلصة أدركت خطورة المرحلة، فسارعت إلى توحيد الجهود والتنسيق مع القيادة الشرعية، لتلتف الإرادة الوطنية حول هدف واحد هو الدفاع عن عدن واستعادة الدولة.


ومن قلب تلك التحديات وُلدت ملحمة الصمود، حيث توحدت المقاومة الوطنية بإسناد من التحالف العربي، لتُدار معركة الدفاع والتحرير بروح عالية من التضحية والإيمان بالوطن. حتى جاء يوم السابع عشر من يوليو 2015 ال

موافق السابع والعشرين من رمضان، ليُعلن للعالم أن عدن انتصرت، وأن إرادة الشعوب قادرة على صناعة النصر مهما بلغت التحديات.


ورغم عظمة هذه الذكرى، يلحظ المتابع في الأعوام الأخيرة تراجع الحضور الإعلامي الذي يليق بهذه المناسبة الوطنية، مع أن تحرير عدن لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة تاريخية أعادت للشرعية حضورها، ومهدت الطريق أمام استعادة مؤسسات الدولة. وسيظل هذا اليوم شاهدًا على تضحيات الأبطال الذين صنعوا النصر بدمائهم وصبرهم.


لقد عانت عدن والمحافظات المحررة خلال السنوات الماضية من تحديات كبيرة في مجالات الخدمات والإدارة والتنمية، وهي تحديات تستدعي اليوم جهدًا وطنيًا مضاعفًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين حياة المواطنين وترسيخ الأمن والاستقرار، بما يليق بتضحيات أبناء هذه المدن وصمودهم.


وفي ظل ما تشهده اليمن والمنطقة من تحولات دقيقة وتحديات متصاعدة، فإن استحضار دروس تلك المرحلة يظل ضرورة وطنية. فقد أثبتت الأحداث أن أمن اليمن واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن محيطه العربي والخليجي، وأن التضامن العربي كان ولا يزال عاملًا حاسمًا في مواجهة التحديات المشتركة.


وانطلاقًا من ذلك، فإننا نعوّل كثيرًا على الدور التاريخي للمملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وسمو الأمير خالد بن سلمان، في مواصلة دعم اليمن واستقراره، بما يحقق معالجة عادلة وشاملة ويعزز حضور الجنوب وقضيته ومكانته الوطنية في أي مسار سياسي قادم.


كما نجد في هذه الذكرى الوطنية مناسبة لتجديد التحية والتقدير لمجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي، ونبعث بالتهنئة للحكومة الجديدة برئاسة دولة رئيس الوزراء شايع محسن الزنداني، آملين أن يشكل تشكيلها خطوة مهمة نحو تصويب المسار الوطني، وتعزيز الخدمات، وترسيخ سلطة الدولة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة فاعلة تُنصف المواطن الذي صبر وضحّى دفاعًا عن وطنه وشرعيته.


سيبقى السابع والعشرون من رمضان رمزًا للنصر والصمود، وذكرى تستحضر بطولات الرجال الذين كتبوا بدمائهم تاريخ عدن الحديث. إنه يومٌ يذكّر الأجيال بأن الأوطان تُبنى بالإخلاص والتضحية، وأن إرادة الشعوب قادرة على تجاوز المحن وصناعة المستقبل.




أ.د محمد علي مارم

مدير مكتب رئاسة الجمهورية السابق

ممثل القائد الأعلى لقيادة وتحرير عدن


٢٧ رمضان ٢٠٢٦م