حين اندلعت ثورة ظفار في منتصف الستينيات، كانت سلطنة عمان تواجه خطراً وجودياً يهدد كيانها ذاته. وفي تلك اللحظة الفارقة، حين كان العالم منقسماً بين معسكرين شرقي وغربي، وحين كانت الأنظمة العربية تتراوح بين المد القومي والجذب الإيديولوجي، اتخذت عمان قراراً بدا للكثيرين مفاجئاً: طلبت المساعدة العسكرية من إيران. في عام 1973، كان الشاه يحكم إيران آنذاك، وكانت طهران حليفة واشنطن، وكان المشهد الإقليمي يبدو مختلفاً تماماً عما هو عليه اليوم.
لكن اللافت في القرار العماني لم يكن طبيعة الحليف بقدر ما كان بعد النظر الاستراتيجي: عمان اختارت أن تتعامل مع الجيران وفق منطق المصالح المشتركة، لا وفق منطق العداوات الدائمة. وحين قامت الثورة الإيرانية عام 1979، وانهار نظام الشاه، وقف العالم كله يتوقع أن تقطع عمان علاقتها مع النظام الجديد، فلم تفعل. استمرت القنوات مفتوحة، واستمر التعامل مع طهران على أساس أن الجغرافيا لا تتغير بتغير الأنظمة، وأن الجار يبقى جاراً مهما اختلفت القناعات .
هذا التاريخ الطويل من العلاقات مع إيران، وهذا النهج القائم على اعتبار الجوار حقيقة دائمة لا تستبدل بالتحالفات المؤقتة، هو ما يجعل الموقف العماني اليوم مفهوماً في سياقه، ومحترماً في منطقه.
وليس غريباً على من يعرف تاريخ عُمان أن يرى اليوم موقفها بذلك الوضوح الحاد، تلك الشجاعة التي لم تعد متاحة لدى الانظمة العربية.
عُمان التي كانت إمبراطورية بحرية تمتد من سواحل شرق إفريقيا إلى جنوب آسيا، والتي حملت همّ الحضارة والتجارة والكلمة منذ خمسة آلاف عام، تعود اليوم لتذكّر الجميع بأن الجغرافيا وحدها لا تصنع التاريخ، بل تحتاج إلى إرادة تقرأها بعمق وتتفاعل معها بوعي.
ذلك التفاعل العريق بين الإنسان العماني ومحيطه هو ما أنتج هذه الدبلوماسية الثابتة التي لا تتغير بتغير الفصول ولا تنحني أمام العواصف.
فتاريخ عُمان حافل بالمواقف التي تضع المبادئ فوق المصالح الآنية، من رفضها الخضوع للسيطرة البرتغالية في القرن السادس عشر، إلى موقفها الداعم للثورة الجزائرية، ثم وساطاتها المتعددة في صراعات المنطقة.
هذا العمق التاريخي هو ما يجعل الموقف العماني اليوم امتداداً لرؤية استراتيجية تراكمت عبر قرون من التفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
اليوم، وبينما تتساقط المواقف العربية الواحدة تلو الأخرى، وتتهافت أنظمة على التطبيع وكأنه خلاص، تطل مسقط من جديد بصوت لا يشبه إلا نفسه. وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يقولها بكل وضوح: "عُمان لن تدخل في مجلس السلام.. ولن تطبع مع إسرائيل". جملة قصيرة، تعادل بيانات طويلة كانت تصدر في زمن الكرامة العربية.
ليس المهم فقط أن ترفض، ولكن المهم أن تعلن الرفض في توقيت يبدو فيه الجميع في سباق محموم نحو الفناء السياسي الطوعي.
ان هذا الرفض يعبر عن موقف أخلاقي،وقراءة دقيقة لمعادلات القوة في المنطقة. فالتطبيع مع إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال ورفض حل الدولتين، يعني شرعنة واقع غير قابل للاستمرار، ورهاناً على أن القوة وحدها يمكن أن تصنع السلام، وهو وهم تاريخي أثبت فشله في كل تجارب العالم.
ما قاله البوسعيدي ينبع عن قراءة استراتيجية عميقة لما يجري. حين يصف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران بأنها "تهدد بإلحاق ضرر بالإطار القانوني الذي وفر الحماية والاستقرار لدول المنطقة لعقود"، فهو لا يدافع عن طهران بقدر ما يدافع عن نظام عالمي كانت المنطقة تعرف كيف تتحرك من خلاله.
السؤال الذي يطرحه الموقف العماني بوضوح: هل نحن أمام انهيار كامل للقانون الدولي، أم أمام انتقائية غربية لم تعد تخفي نفسها؟ عندما تضرب قوة كبرى دولة أخرى دون تفويض أممي، فإنها تهدم المبدأ الأساسي الذي قامت عليه العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا الانهيار للقانون الدولي يعني أن الجميع أصبحوا في مرمى النيران، حتى الحلفاء السابقون.
عُمان التي استضافت على مدى عقود المفاوضات الأكثر تعقيداً بين الغرب وإيران، تعرف أن تدمير القواعد القانونية يعني العودة إلى قانون الغاب، حيث الكبير يأكل الصغير، وحيث لا مكان لدولة بحجم عُمان إلا إذا كانت تمتلك رادعاً ذاتياً أو تحالفات حقيقية.
اللافت أن التحليل العماني يذهب إلى ما هو أبعد من السطح. هناك "مخطط يستهدف المنطقة، وإيران ليست الهدف الوحيد فيه". بهذه العبارة، تفضح عمان ما تحاول كثير من العواصم العربية تجاهله: أن الحرب على إيران هي مجرد فصل في مسلسل إعادة تشكيل المنطقة بالكامل. الهدف هو "إضعاف إيران، وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع، في سياق أوسع يتصل أيضا بمحاولات منع قيام الدولة الفلسطينية، وإضعاف كل دولة أو مؤسسة تقف إلى جانب مشروع قيام الدولة الفلسطينية أو تؤيده". هنا يكمن عمق التحليل العماني: إنه يدرك أن ما يجري ليس صراعاً مذهبياً أو حتى صراعاً على النفوذ، بقدر ماهو مشروع شامل لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق رؤية أمريكية إسرائيلية، تهدف إلى تفتيت أي قوة إقليمية قادرة على التحدي، سواء كانت إيران أو تركيا أو حتى مصر إذا ما استعادت دورها التاريخي.
ما يثير الانتباه حقاً هو ذلك التوصيف الدقيق لسلوك بعض الأطراف الإقليمية، التي "تدرك أن هناك مخططاً يستهدف المنطقة، لكنها تراهن على أن مسايرة الولايات المتحدة قد تدفعها إلى تعديل قراراتها وتوجهاتها". هنا يتجلى التحليل السياسي بوضوح: الرهان على تغير المخطط الأمريكي من خلال المسايرة هو وهم كبير. الولايات المتحدة التي تقصف اليوم إيران وتعيد تشكيل المنطقة، لن توقف مشروعها لمجرد أن بعض الأنظمة أبدت استعدادها للانصياع. بالعكس، الانصياع يشجع على المزيد من الضغط والمزيد من الطلبات.
عُمان، التي استضافت على مدى عقود المفاوضات الأكثر تعقيداً بين الغرب وإيران، تعرف أن الحرب ليست حلاً. "استمرار الصراع لا يخدم المصالح الحيوية لعُمان ولا لمحيطها الإقليمي، ولا حتى لمصالح الأمريكيين أنفسهم". وهنا تكمن المفارقة: واشنطن تضحي اليوم بمصالحها طويلة المدى في المنطقة من أجل حسابات ضيقة. والاقتصاد العالمي سيدفع الثمن "من خلال ارتفاع أسعار النفط وتزايد الاضطراب في سلاسل التوريد". هذا التحليل الاقتصادي دقيق، فالحرب على إيران لن تؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط، بل ستعطل حركة النقل عبر مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 30% من النفط العالمي. وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي، الذي لم يتعافَ بعد من تبعات جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، سيواجه صدمة جديدة قد تدفعه نحو ركود عميق.
ربما يكون الأهم في الموقف العماني هو ذلك الإصرار على "إعادة النظر في الفلسفة الدفاعية الخليجية". سؤال جوهري: هل يمكن لدول المنطقة أن تستمر في الاعتماد على حماية خارجية بينما تتحول هذه الحماية نفسها إلى مصدر تهديد؟ حين تتعرض منشآت نفطية للقصف، وحين تُخرق السيادات تحت ذرائع مختلفة، يصبح السؤال عن فلسفة دفاعية جديدة مسألة وجودية لا تحتمل التأجيل. هذا المطلب العماني يفتح نقاشاً عميقاً حول مفهوم الأمن في الخليج. هل الأمن يأتي من الخارج عبر قواعد عسكرية وأساطيل حربية، أم يأتي من الداخل عبر بناء أنظمة دفاعية ذاتية وتحالفات إقليمية حقيقية؟ التجربة التاريخية تقول إن الاعتماد على القوى الخارجية يجعل المنطقة رهينة لأجندات لا تمت بصلة لمصالحها. فالقواعد الأمريكية في الخليج لم تمنع احتلال الكويت، ولم تحمِ السعودية من صواريخ الحوثي، ولم توقف الحروب المدمرة في اليمن والعراق وسوريا.
هاهي اليوم عمان تطل بموقف لا يشبه إلا تاريخها موقف من يقرأ المستقبل بعينين مفتوحتين على التاريخ موقف من يعرف أن الكرامة وحدها هي التي تصنع الأمن الحقيقي وعندما تقول عُمان إنها "رفضت تقديم أي مستوى من مستويات الدعم الذي يمكن أن يسهم في هذه الحرب أو في أي حرب أخرى"، فهي لا تصدر شهادة حسن سلوك، بقدر ما تضع معياراً أخلاقياً نادراً
يبقى السؤال معلقاً في الهواء: كم دولة في المنطقة تملك اليوم هذه الشجاعة؟ كم دولة قادرة على أن تقول "لا" عُمان تقولها ببساطة: لا للتطبيع، لا لمجلس سلام يبيت في أحضان العدوان، نعم لدبلوماسية واعية، نعم لمنطقة لا يُعاد تشكيلها على جثث أصحابها.
في النهاية، يظل الموقف العماني شاهداً على أن البديل موجود، وأن الخيارات ليست محصورة بين الخضوع والموت. هناك طريق ثالث، طريق الدبلوماسية الواعية، والاستقلال المسؤول، والانفتاح على الجميع دون تبعية لأحد. هذا الطريق صعب وشاق، لكن عُمان تثبت أنه ممكن. والسؤال الكبير: هل سيجد هذا الطريق من يسلكه من الدول العربية الأخرى، أم ستبقى المنطقة غارقة في أوهام التبعية حتى تكتشف فجأة أن لا أحد سيحميها حين تشتد العواصف؟ التاريخ يعيد نفسه دائماً، لكن أولئك الذين لا يتعلمون من التاريخ، محكوم عليهم بتكرار أخطائه. عُمان تعلمت، والمنطقة مدعوة اليوم إلى التعلم أيضاً.
وربما كان على العرب جميعاً أن يصغوا جيداً للموقف العماني