في تجربتي المتواضعة داخل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لاحظت ظاهرة متكررة تستحق التأمل: هذه التطبيقات تميل إلى التعامل مع المستخدم على أساس المجاملة والرضا الدائم، وكأنها تعكس نسخة مثالية عنه. هذا الأسلوب، وإن بدا غير ضار، قد يولد شعورًا متزايدًا بالاعتداد بالذات، خاصة لدى المراهقين والفئات متوسطة العمر، أو لدى من يعانون ميولًا نرجسية مسبقة. الشعور الوهمي بالكمال والنضج الذي تولده هذه التفاعلات الرقمية قد يقلل من الحاجة إلى التوجيه البشري، سواء من الأسرة أو المؤسسات التعليمية، ويؤثر سلبًا على الفضول الذي يولد الإبداع.
على سبيل المثال، مراهق يستخدم تطبيقًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدته في الواجبات المدرسية قد يشعر سريعًا أنه لا يحتاج إلى مراجعة المعلم أو التفكير النقدي، لأن الخوارزمية توفر الإجابة المثالية دائمًا. ومع تكرار هذا النمط، يمكن أن تتشكل لدى الفرد آلية نفسية تلقائية للارتكاز على الذكاء الاصطناعي، مع تراجع تدريجي للقدرة على النقد الذاتي أو التعلم المستقل.
ورغم وعي المجتمع بهذه المخاطر المحتملة، نكاد نقف عاجزين أمام متابعة ومراقبة الفئات الأكثر هشاشة. معالجة الخوارزميات أو تعديلها لتفادي هذه التأثيرات قد يكون بعيد المدى، لذلك تصبح مسؤولية المجتمع، العلماء، والمؤسسات التربوية ملحة لوضع استراتيجيات وقائية. من بين هذه الاستراتيجيات: إدراج برامج توعية رقمية للأطفال والمراهقين، وتعزيز تعليم مهارات التفكير النقدي والتحليل الاجتماعي منذ المراحل المبكرة، وإشراك الأسرة في متابعة الاستخدام الذكي للتقنية.
أحد أخطر جوانب الأزمة يكمن في غفلة المؤسسات التعليمية عن الدراسات الإنسانية، وخصوصًا علم الاجتماع وعلم النفس، الذي يمكن أن يوفر أدوات للتنبؤ السريع بالأزمات الاجتماعية ووضع خطط المعالجة المبكرة. تجربة المفكر مالك بن نبي في فرنسا تذكرنا بأن التهميش المتعمد للعلوم الإنسانية لصالح "العلوم الصلبة" ليس مجرد صدفة، بل نمط متكرر في صراع الهيمنة المعرفية؛ إذ يُخشى من وعي اجتماعي وسياسي مستقل، فيُوجَّه التعليم نحو التنفيذ الآلي بدلاً من التفكير النقدي.
اليوم، يتكرر المشهد بصورة رقمية؛ إذ نندفع نحو استهلاك خوارزميات الذكاء الاصطناعي دون قاعدة معرفية قوية من علماء الاجتماع والنفس القادرين على تفكيك أثر هذه الآلات على بنية المجتمع. النتيجة أننا نصبح "مهندسين" لأدوات تقنية لا نملك مفاتيح آثارها النفسية والاجتماعية، مع زيادة هشاشة الفئات الأكثر عرضة للتأثر.
بناءً على ما سبق، أرى ضرورة عاجلة لإعادة النظر في نظرية مخاطر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الإنسان والمجتمع، مع التركيز على:
توعية المستخدمين، خصوصًا الشباب، بالآثار النفسية والاجتماعية لاستخدام التطبيقات الرقمية بشكل مفرط.
إدماج الدراسات الإنسانية في تصميم التكنولوجيا، بحيث يكون لكل خوارزمية تأثيرها النفسي والاجتماعي المدروس.
تعزيز التعاون بين الأسرة، المدرسة، والمؤسسات العلمية لتوفير بيئة صحية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.
تطوير برامج تعليمية رقمية ترافق التطبيقات الذكية، بهدف بناء التفكير النقدي والوعي الذاتي لدى المستخدم.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنها ليست محايدة نفسيًا أو اجتماعيًا. وبدون فهم عميق لتأثيره على الذات والمجتمع، نخاطر بتحويله من وسيلة للنمو والإبداع إلى محفز لتضخم مركزية الذات وغفلة عن التفكير النقدي، وهو ما يمثل تحديًا حضاريًا يجب التعامل معه بوعي ومسؤولية.
وهنا تجدر الإشارة والاشادة بقرار مجلس الوزراء السعودي إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، وهو قرار يعكس إدراكًا متزايدًا لضرورة دراسة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها الإنسان المعاصر في ظل التسارع التكنولوجي الهائل. فمع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي واتساع حضورها في تشكيل أنماط التفكير والسلوك، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا لعلوم الإنسان التي تدرس بنية الوعي الفردي والجماعي، وتفكك الظواهر الثقافية والنفسية التي قد تنشأ من هذا التفاعل، ومنها تضخم مركزية الذات أو تنامي النزعات النرجسية في الفضاء الرقمي.