آخر تحديث :الثلاثاء-17 مارس 2026-11:01م

من ذاكرة الحوار الوطني الشامل إلى أفق الحوار الجنوبي

الإثنين - 16 مارس 2026 - الساعة 11:27 م
د. علي ناصر الزامكي

بقلم: د. علي ناصر الزامكي
- ارشيف الكاتب


يمر الثامن عشر من مارس من كل عام حاملاً معه ذكرى محطة سياسية مهمة في التاريخ اليمني المعاصر، حين انطلقت في مثل هذا اليوم من عام 2013 جلسات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ، بوصفه إحدى أكبر المحاولات السياسية لإعادة صياغة مستقبل الدولة اليمنية بعد التحولات العميقة التي شهدتها البلاد منذ عام 2011.

كان ذلك المؤتمر تجربة غير مسبوقة في تاريخ اليمن السياسي؛ فقد جمع تحت سقف واحد طيفاً واسعاً من القوى السياسية والاجتماعية، وممثلين عن الشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب مختلف المكونات المناطقية والقبلية. وكان الهدف المعلن آنذاك هو فتح حوار وطني شامل حول القضايا الكبرى التي تواجه الدولة اليمنية، وفي مقدمتها شكل الدولة، وبناء المؤسسات، وضمان الحقوق والحريات، ومعالجة القضايا التاريخية التي تراكمت عبر عقود، وعلى رأسها القضية الجنوبية.

ورغم أن المسار السياسي الذي أعقب ذلك المؤتمر شهد تعثرات عميقة نتيجة التطورات السياسية والعسكرية التي عرفتها البلاد، فإن من الإنصاف القول إن تجربة الحوار الوطني الشامل لا تزال حتى اليوم تمثل واحدة من أهم التجارب السياسية التي حاولت تقديم تصور متكامل لمعالجة أزمات الدولة اليمنية.

لقد أنتج المؤتمر وثائق سياسية وفكرية مهمة، من بينها مخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور، وهي وثائق لم تكن مجرد نصوص سياسية، بل كانت محاولة لصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على مبادئ الشراكة السياسية، والعدالة الانتقالية، وتقاسم السلطة والثروة، وبناء دولة حديثة تستوعب تنوع المجتمع اليمني.

واليوم، وبعد أكثر من عقد من تلك التجربة، يعود الحديث مجدداً عن إطلاق حوار جنوبي–جنوبي برعاية المملكة العربية السعودية، في محاولة لفتح مسار جديد لمعالجة التباينات السياسية داخل الجنوب اليمني ، وبناء توافق سياسي يمكن أن يسهم في استقرار المنطقة ويمهد لمسار سياسي أوسع في اليمن.

وفي هذا السياق، فإن استحضار تجربة الحوار الوطني الشامل لا ينبغي أن يكون مجرد استذكار تاريخي، بل ينبغي أن يتحول إلى مدخل فكري وسياسي لفهم كيفية تصميم حوار سياسي أكثر نضجاً وفاعلية.

فالخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه أي مسار حوار جديد هو التعامل مع الماضي وكأنه تجربة يجب تجاهلها بالكامل، أو أن الحوار القادم يجب أن يبدأ من نقطة الصفر.

إن الحوارات السياسية الكبرى في العالم لا تنجح عندما تبدأ كل مرة من جديد، بل تنجح عندما تتراكم فيها الخبرات والتجارب، ويتم البناء على ما تحقق فيها من أفكار ومقاربات، حتى وإن تعثر تنفيذها في مراحل لاحقة.

ومن هذا المنطلق، فإن مخرجات الحوار الوطني الشامل تمثل رصيداً سياسياً وفكرياً ( محلياً وإقليماً ودولياً) لا ينبغي إغفاله، خاصة فيما يتعلق بالمبادئ العامة التي طرحت لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى، بما في ذلك القضية الجنوبية.

لقد خصص الحوار الوطني فريق عمل كاملاً لمناقشة القضية الجنوبية، واستعرض ذلك الفريق جذور القضية وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وناقش عدداً من المقترحات لمعالجتها، من بينها إعادة هيكلة الدولة على أسس اتحادية تضمن شراكة حقيقية في السلطة والثروة.

ورغم أن تلك المقترحات لم تصل إلى صيغة توافقية نهائية تحظى بقبول جميع الأطراف، فإنها شكلت أرضية فكرية وسياسية مهمة يمكن الاستفادة منها في أي نقاشات مستقبلية حول مستقبل الجنوب.

غير أن نجاح أي حوار جنوبي–جنوبي لا يتوقف فقط على استحضار المرجعيات السياسية السابقة، بل يعتمد بالدرجة الأولى على كيفية تصميم هذا الحوار ومن سيشارك فيه.

فالتجارب السياسية في كثير من الدول تشير إلى أن الحوارات التي تقتصر على النخب السياسية غالباً ما تنتج اتفاقات هشة، بينما الحوارات التي تنفتح على المجتمع بمختلف مكوناته تكون أكثر قدرة على إنتاج حلول مستدامة.

وفي حالتنا الجنوبية تحديداً، فإن القضية الجنوبية ليست مجرد قضية سياسية بين القوى الحزبية، بل هي قضية مجتمع كامل له امتداداته التاريخية والجغرافية والاجتماعية.

ومع الحديث في المرحلة الراهنة عن إطلاق حوار جنوبي–جنوبي برعاية المملكة العربية السعودية، فإن استحضار تجربة الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون مجرد استذكار تاريخي، بل يجب أن يتحول إلى مدخل تحليلي لفهم كيفية تصميم حوار سياسي أكثر فاعلية وشمولاً.

إن أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة الحوار الوطني يتمثل في أن الحوارات السياسية لا تنجح بمجرد عقدها، بل تنجح عندما تُبنى على أسس تمثيلية واضحة تضمن مشاركة مختلف القوى الاجتماعية والسياسية.

وفي هذا السياق، فإن أي حوار جنوبي قادم يحتاج إلى أن يتجاوز حدود التمثيل النخبوي ، وأن ينفتح على المجتمع الجنوبي بمختلف مكوناته الجغرافية والاجتماعية.

فالقضية الجنوبية ليست قضية سياسية فحسب، بل هي أيضاً قضية مجتمع وتاريخ وهوية وتنمية، وهو ما يفرض أن يكون الحوار حولها حواراً مجتمعياً واسعاً، لا يقتصر على القوى السياسية أو العسكرية.

ومن هنا تبرز أهمية إشراك المجتمعات المحلية في المحافظات الجنوبية في عملية الحوار، سواء من خلال التمثيل للمجتمع المحلي على مستوى المديريات وعلى مستوى المحافظات ، أو من خلال النواب المنتخبين عن الدوائر الانتخابية، إضافة إلى تمثيل القوى والتنظيمات السياسية برئيس القوى أو التنظيم السياسي على مستوى المحافظات ورؤساء التنظيمات والقوى السياسية على مستوى المديريات ، ومن المهم ايظا في تقديري مشاركة رؤساء هيئات النقابات الأكاديمية والتعليمية والعمالية والمهنية على مستوى المحافظات وعلى مستوى الهيئات والمؤسسات الحكومية العامة باعتبارها هيئات منتخبة مهنياً وفق القانون ، ورؤساء منظمات المجتمع المدني، مع تخصيص مساحة واضحة لمشاركة النساء والشباب ، الذين لعبوا دوراً مهماً في التحولات السياسية خلال السنوات الماضية أكان من خلال الاتحادات والجمعيات النسوية على مستوى المحافظات، وكذا من خلال الاتحادات العامة للطلبة على مستوى الجامعات واتحادات الشباب على مستوى المحافظات ، وأخيراً وليس بأخير مشاركة مشائخ القبائل والشخصيات السياسية والاجتماعية الوطنية على مستوى التمثيل المناطقي القبلي ..

ويمكن تشكيل هيكل تنظيمي مقترح لإدارة الحوار من أبتداً من مرحلة الإعداد والتنظيم ، ومرحلة التيسير والتسيير للحوار إلى مرحلة ضمانات المتابعة لمخرجات الحوار وفق الهيكل ادناه. :

1. اللجنة التحضيرية العليا

2. لجنة تنظيم الحوار ( اللجنة الفنية )

3. اللجنة القانونية والدستورية

4. لجنة التواصل المجتمعي والإعلام

5. لجنة الضمانات والمتابعة

إن مثل هذه الآلية لا تمنح الحوار شرعية اجتماعية أوسع فحسب، بل تساعد أيضاً على نقل النقاش من مستوى النخب السياسية إلى مستوى المجتمع، وهو ما يزيد من فرص إنتاج توافقات قابلة للاستمرار.

وفي الوقت ذاته، فإن نجاح الحوار الجنوبي يحتاج إلى مرجعية سياسية واضحة يمكن أن تشكل أساساً للنقاشات المستقبلية.

وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من المبادئ العامة التي طرحتها مخرجات الحوار الوطني الشامل، وخاصة تلك المتعلقة بالعدالة الانتقالية، وبناء الدولة، وضمان الحقوق والحريات، وتقاسم السلطة والثروة.

إن الهدف من ذلك ليس إعادة إنتاج تجربة الماضي بحذافيرها، بل تطويرها والبناء عليها بما يتناسب مع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي.

كما أن الرعاية الإقليمية للحوار، وفي مقدمتها الرعاية السعودية، يمكن أن تشكل عاملاً مهماً في توفير الضمانات السياسية اللازمة لإنجاح هذا المسار.

غير أن نجاح أي حوار في نهاية المطاف لا يتحدد فقط بالرعاية الخارجية، بل يتحدد قبل كل شيء بمدى قدرة الأطراف المحلية على إدارة حوار مسؤول يضع المصلحة العامة فوق الحسابات السياسية الضيقة.

إن ذكرى انطلاق الحوار الوطني الشامل تذكّرنا بأن اليمنيين حاولوا في لحظة تاريخية أن يفتحوا باباً واسعاً للحوار حول مستقبل دولتهم.

وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو كيفية تحويل تلك التجربة، بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات، إلى قاعدة معرفية وسياسية تساعد على بناء مسار أكثر نضجاً للحوار في المستقبل.

فالحوار ليس مجرد طاولة يجلس حولها السياسيون، بل هو عملية تاريخية طويلة تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وبين القوى السياسية المختلفة.

وإذا ما أُحسن استثمار اللحظة السياسية الحالية، فإن الحوار الجنوبي المرتقب يمكن أن يتحول إلى خطوة تاريخية نحو بناء رؤية مشتركة لمستقبل الجنوب، قائمة على الشراكة السياسية، والتمثيل الحقيقي، والاستقرار.


الدكتور علي ناصر سليمان الزامكي

استاذ الإدارة المالية المشارك

مساعد نائب رئيس جامعة عدن لشؤون الطلاب