آخر تحديث :الثلاثاء-17 مارس 2026-10:56م

​ترامب.. الرئيس الظاهرة الاستثنائية! (1-2)

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - الساعة 12:29 م
عبدالله عمر باوزير

بقلم: عبدالله عمر باوزير
- ارشيف الكاتب


يعد الرئيس ترامب في تاريخ أمريكا، بل وعلى صعيد السياسة والعلاقات الدولية، ظاهرة مختلفة يصعب قياسها أو مقارنتها بمن عبروا التاريخ الحديث منذ سقوط الإمبراطوريات النمساوية والروسية، وصعود ستالين وهتلر في أعقاب إهانة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى في "فرساي-باريس" عام 1919؛ تلك المعاهدة التي برزت على إثرها الإمبراطورية البريطانية كقائدة للنظام الدولي، في الوقت الذي كان فيه رفاق "لينين" لا يزالون مشغولين بميراث إمبراطورية تداعت، يبحثون في دفاتر "كارل ماركس" و"إنجلز" عن كيفية المزاوجة بين ديكتاتورية العمال وطموح إمبراطوري مفتون بل ومشدود إلى ثقافة إمبراطورية صاعدة على سواعد عمالها، وباختراعات علمائها، وقيادة جنرالاتها في أكبر بحرية عسكرية بريطانية.


أنشأت بريطانيا مع شريكتها فرنسا "عصبة الأمم"، ويومها انشغلتا بتقاسم النفوذ في شرق أوسط فقد الإمبراطورية العثمانية؛ شرق أوسط كان عمقه العربي-الإسلامي في حالة غليان، ويتطلع إلى استعادة إمبراطورية عربية غربت شمسها، فاتحة المجال لتطلعات قوى إقليمية لم تكن بينها دول عظمى غير "إمبراطورية فارس"، التي اندثرت على يد سعد بن أبي وقاص ورجال الفاروق عمر بن الخطاب - الذين أقعدوا سراقة بن مالك على عرش كسرى وألبسوه تاجه، وفاءً لوعد الرسول محمد (ص) في بطاح وهجير مكة.. هو تاريخ من صراع وسقوط الإمبراطوريات لم يتوقف لأكثر من 13 قرناً من الزمن، محوره الشرق الأوسط ومركزه الجغرافيا العربية التي تقاسمتها بريطانيا وفرنسا وأقامتا عليها دولاً رُسمت خرائطها "بتبشورة" الجنرال الإنجليزي "اللنبي"، ضارباً عرض الحائط بأي تعهدات أصدرتها لندن.


رغم ذلك، لم يصمد نظام "عصبة الأمم" أمام الأمم المقهورة، وفي مقدمتها ألمانيا التي شهدت تفجر الحركة النازية بقيادة أدولف هتلر. فبعد سنوات من الهزيمة، تسيد هتلر الساحة عام 1933 ووصل إلى السلطة كقائد وطني وقومي استثنائي، وأضحت ألمانيا قوة لا تهدد بإلغاء اتفاقية فرساي فحسب، بل وبالسيطرة على أوروبا بأسرها. في تلك الأثناء، كانت لندن في حالة صراع قيادة، محتارة أمام ظاهرة ألمانيا التي استعادت قوتها العسكرية والاقتصادية في أقل من عشر سنوات، وباشرت الانتقام بتوقيع معاهدة إذلال فرنسا في "عربة قطار" على مشارف باريس عام 1940.


يومها برزت شخصية إنجليزية تميزت بالدهاء وموروثات الإمبراطورية البريطانية في عنفوانها الاستعماري؛ نهض "تشرشل" من فراشه، تناول زجاجة "السكوتش" وكأساً وسيجاراً، رافضاً محاولات زوجته منعه.. طلب خارطة العالم وفردها أمامه، ورأى قوته في مستعمرات بريطانيا التي "لا تغيب عنها الشمس" وقال: "سألقن هذا المعتوه الألماني دروساً لن ينساها بموارد أستراليا وكندا وعسكر الهند وأفريقيا والجغرافيا العربية، ولكن التكاليف لا تُحتمل ولا بد من اختصار الوقت، والسؤال: كيف؟".


جاء الجواب: لابد من سحب أمريكا إلى الحرب. وهنا صاح: "أيقظوا الحكومة!"..

ردت الزوجة : "الوقت متأخر".

رد وهو يعض سيجاره : "الوقت؟ غداً إلى واشنطن.. هناك المال والقوة وقلة العقل.. ثلاثي النصر!".

صعد الطائرة وهو يترنح، طالباً سريراً للنوم خلال رحلة طويلة عبر شمال الأطلسي وكندا، ليصل إلى واشنطن وقد استرد عافيته.. طلب كأساً من "السكوتش" وأشعل سيجارته؛ لم يكن "روزفلت" في استقباله، بل أبلغه أحدهم أنه سيأتي إليه في الفندق.


في الفندق، ذهب تشرشل لأخذ حمام لاستعادة نشاطه، وفوجئ بوصول الرئيس الأمريكي على كرسيه المتحرك. صاح تشرشل: "أدخلوه ليشاهد بريطانيا عارية كما هي!".. دخل الأمريكي متردداً، ليقول له تشرشل: "هذه بريطانيا.. فهل تكسوها؟". نجح تشرشل وغير مسارات الحرب، في الوقت الذي غرق فيه هتلر في ثلوج روسيا في مواجهة ديكتاتور أكثر عناداً من تشرشل.


سقطت برلين تحت جنازير دبابات ستالين التي سبقت الإنزال "الأنجلو-أمريكي" في "نورماندي" عام 1944 بحسب مخطط تشرشل لا مخطط الجنرال "أيزنهاور"، لتتابع طريقها في سباق نحو برلين.. فكان إذلال ألمانيا بتقسيمها بين أربعة قوى، منها فرنسا بقيادة رجل استثنائي هو الجنرال "شارل ديجول" الذي لم يقبل إلا أن يكون كبيراً بين كبار، وفي مقدمتهم الرئيس "روزفلت" الذي رسم النظام الدولي الحالي المتمثل في "الأمم المتحدة".


هذا النظام الذي أقيم في ظل هزيمة ألمانيا الثانية ودخول أمريكا وروسيا الساحة الدولية كقطبين، بات مهدداً اليوم بقيادة رجل محير يمثل حالة مختلفة هو "دونالد ترامب".. فهو لا يشبه أحداً ممن استعرضناهم في تصرفاته وتناقض تصريحاته؛ فبالأمس يهين بريطانيا، الحليف السياسي والعسكري عبر صراعات الحرب الباردة، وحرب السويس 1956، وصولاً إلى العراق 2003. وحتى اليوم، لا يزال ترامب يقول: "مطلوب مشاركة من حميناهم في مضيق هرمز"، باستخفاف واضح بحليف كان سبباً في عظمة أمريكا.. فهل ترامب استثنائي حقاً؟


إلى الجزء (2-2)...