آخر تحديث :الأربعاء-18 مارس 2026-10:56م

حين يتردد الحلفاء من يتحمل كلفة المواجهة

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - الساعة 09:42 م
عبدالقادر محوري

بقلم: عبدالقادر محوري
- ارشيف الكاتب


الدكتور : عبدالقادر المحوري


في لحظات التوتر الكبرى لا تُقاس قوة التحالفات بما يُقال في البيانات بل بما يُفعل على الأرض وهنا تحديدًا تتكشف الفجوة بين الخطاب والواقع حيث يبدو المشهد الدولي والإقليمي وكأنه يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة من يقف مع من عندما ترتفع كلفة المواجهة


في الخطاب الأمريكي الذي عبّر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه حلف الناتو لا نجد مجرد عتب سياسي عابر بل نلمس تحولًا أعمق في فلسفة التحالف نفسها فواشنطن التي قادت لعقود منظومة الأمن الغربي لم تعد مستعدة للاستمرار في دور الحامي الوحيد دون مقابل واضح ومن هنا فإن الحديث عن خذلان الحلفاء لا يعكس واقعة محددة بقدر ما يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة على أساس تقاسم الأعباء لا تقاسم الشعارات فالحلفاء في نظر صانع القرار الأمريكي يجب أن يكونوا شركاء في الكلفة كما هم شركاء في المكاسب


هذه الرؤية لا تنفصل عن سياق أوسع يتسم بتغير طبيعة الصراعات فالمواجهة مع ايران ليست حربًا تقليدية تفرض على الحلفاء اصطفافًا تلقائيًا بل صراع مركب متعدد الأدوات تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد والأمن البحري مع الحروب غير المباشرة وهو ما يمنح كل طرف مساحة للمناورة ويجعل قرار الانخراط الكامل أكثر تعقيدًا


وفي السياق العربي تتجلى الصورة ذاتها ولكن بلغة مختلفة فالعلاقة بين دول الخليج ومصر كثيرًا ما تُقرأ عبر عاطفة سياسية تختصرها عبارة مسافة السكة غير أن الواقع يكشف أن الدول لا تتحرك بالشعارات بل بحسابات دقيقة فمصر التي تدرك أهمية أمن الخليج كجزء من أمنها القومي تدرك أيضًا أن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة قد يفتح عليها أبوابًا من الكلفة لا يمكن التحكم فيها لذلك تفضل أن تكون جزءًا من معادلة الدعم دون أن تكون رأس الحربة في معركة مفتوحة


أما دول الخليج وعلى رأسها السعودية فهي تعيش بدورها معادلة معقدة فهي في مواجهة تهديد حقيقي لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الحرب الشاملة قد تكون أكثر خطورة من التهديد نفسه لذلك تميل إلى إدارة الصراع عبر مزيج من الردع والحذر فتحافظ على جاهزيتها وتبني تحالفاتها لكنها تترك دائمًا باب التهدئة مفتوحًا إدراكًا منها أن الانفجار الكبير لن يكون في صالح أحد


وهنا تتضح المفارقة التي تحكم المشهد فالجميع يتحدث عن التحالف لكن كل طرف يضع له حدودًا غير معلنة والجميع يتفق على الخطر لكنهم يختلفون في درجة الاستعداد لتحمل تبعات مواجهته وهذا ما يجعل التحالفات تبدو في لحظة الاختبار أقل تماسكًا مما تبدو عليه في أوقات الاستقرار


إن ما يفسره البعض على أنه خذلان ليس سوى تعبير عن طبيعة المرحلة التي نعيشها حيث لم تعد الدول مستعدة للدخول في حروب مفتوحة إلا إذا كانت مصالحها المباشرة على المحك ولم يعد الحليف ذاك الذي يندفع إلى المواجهة بل ذاك الذي يساند ضمن حدود لا تهدد استقراره الداخلي


في هذا السياق يصبح السؤال الحقيقي ليس من خذل من بل من يملك القدرة على تحمل كلفة القرار عندما تتحول الأزمات إلى مواجهات مفتوحة فالعالم اليوم لا يُدار بمنطق الاصطفاف الحاد بل بمنطق التوازن الحذر حيث تُحسب الخطوة قبل أن تُتخذ ويُقاس الثمن قبل أن يُدفع وفي هذا الميزان الجديد تتحدد مواقف الجميع من واشنطن إلى عواصم الناتو ومن الرياض إلى القاهرة حيث المصالح هي البوصلة والحسابات في هذا الميزان الجديد تتحدد المواقف بوضوح لا بالشعارات بل بالمصالح ولا بالعواطف ومن لا يملك القدرة على دفع كلفة قراره لا يستطيع أن يكون في قلب المواجهة.