ونحن على بُعد أيام قليلة من الذكرى الحادية عشرة لعملية 'عاصفة الحزم'، نجد أنفسنا أمام لحظة تأمل واجبة تتجاوز القراءة العسكرية للمشهد. إن الخروج من النفق المظلم يبدأ من الاعتراف الصادق بأن ما وصل إليه اليمن اليوم ليس مجرد وليد اللحظة، بل هو الثمرة المرة لسياسات نظام 'صالح' الذي راكم الفشل طوال ثلاثة عقود، وانتهى بتسليم مؤسسات الدولة للحركة الحوثية في فعل انتقامي ضد تطلعات الشعب الذي انتفض ضد الاستبداد والتوريث.
هذا السقوط السياسي المريع لم يكن إلا قشرة خارجية لأزمة أعمق؛ حيث نجد اليوم أن أدوات التحليل التقليدية باتت عاجزة عن فهم حجم التآكل الذي أصاب جوهر الدولة والنسيج المجتمعي. إننا أمام 'انفجار' لتراكمات تاريخية وفقهية وبنيوية بقيت دون حلول جذرية، مما أدى في النهاية إلى تصدع 'الضمير الوطني' وغياب البوصلة الجامعة التي يمكن أن تلم شتات اليمنيين من جديد.
أولاً: العقدة الفقهية والشرعية السياسية
تكمن جذور الاستعصاء في التاريخ السياسي اليمني داخل "الثغرة الفقهية" للمذهب الزيدي واختراق الفكر الجارودي مؤخرا للمذهب، فيما يخص تأطير الدولة وأدواتها القيادية. ورغم الميزات الاجتهادية للمذهب، إلا أن جدلية "شروط الإمامة" ظلت تشكل عائقاً بنيوياً أمام قيام دولة المواطنة الحديثة. إن اشتراط مواصفات معينة لمن يقود الدولة—سواء اتخذت لبوساً سلالياً أو فقهياً—يصطدم مباشرة مع جوهر الدولة القائمة على "التعاقد" وليس "التفويض".
إن الخلاص يكمن في إحداث ثورة جذرية برؤية فكرية تذيب الانتماءات المذهبية والطائفية والجهوية داخل "المشروع الوطني الجامع"؛ مشروع يحول الدولة إلى "فضاء محايد" يحمي حق الجميع في ممارسة معتقداتهم وقناعاتهم السياسية تحت سقف قوانين وطنية نافذة، دون قهر أو إكراه، لضمان عدم عودة دورات الصراع التي أنهكت اليمن لقرون.
ثانياً: الضمير الوطني والمصالح المادية
لقد كانت الضريبة الأفدح لهذه الحرب هي تلك التي دُفعت من رصيد السلم الأهلي وتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام أمان الوعي. إن المجتمع الذي يصمت على دوس كرامة الإنسان ويصفق للطغيان لن يرى أمناً ولا استقراراً، بل سيكون على موعد مع الفوضى.
ولأن اليمنيين، للحقيقة التاريخية، قد ينقسمون بشكل حاد حول القيادات الرمزية ولكنهم يجتمعون حول "المصالح المادية المشتركة"، فإن الحل المستدام يكمن في تحويل "المواطنة" إلى مشروع ملموس. إن المصالح هي وقود الحرب والسلام؛ وعندما يدرك المواطن أن استقرار الدولة هو الضمانة الوحيدة لخبزه وكرامته، فإنه سيتحول من "رعية" تتبع الولاءات الضيقة إلى "مواطن" يدافع عن كيان الدولة.
ثالثاً: الفيدرالية وترويض الكيانات الاجتماعية
في ظل انعدام الثقة بالمركزية القهرية، يبرز "اليمن الفيدرالي" كخيار وحيد وجدير بالتجربة العملية، لتأطير العقد المذهبية والجهوية جغرافياً ومنع تحولها إلى أداة للهيمنة على المركز. وهنا لابد من استلهام "فلسفة الترويض" من التجارب الناجحة في الجوار، وتحديداً في كيفية استيعاب الكيانات الاجتماعية (القبيلة) ودمجها في نسيج الدولة عبر منظومة المصالح السيادية. إن الفيدرالية ليست تقسيماً، بل هي "توزيع عادل للقوة والثروة" يجعل من الصعب على أي طرف الانفراد بالقرار أو ممارسة الإقصاء.
رابعاً: الرمز المفقود والأداة الثورية الانتقالية
بما أن القيادة الجماعية في اليمن أثبتت فشلها وتحولت إلى جزء من المشكلة والمحاصصة، فإن اليمن بحاجة إلى "رمز وطني" استثنائي؛ قائد يمتلك الكاريزما التي تجعل عدن تنصت له وصنعاء تستجيب لندائه. رمزٌ يمتلك القدرة على فهم ما تريد الجماهير سماعه، ويدير منظومة "المصالح" بذكاء وحزم.
هذا الرمز يجب أن يقود "أداة ثورية انتقالية" تنطلق من قلب صنعاء، لتفرض مخرجات الحوار الوطني بمنهجية "العصا والجزرة". ثورة وطنية جذرية تقتلع بنى الفساد واقتصاد الحرب، وتؤطر العقد المذهبية في سياقات دستورية تضمن عدم عودة الإمامة أو الاستبداد بأي شكل من الأشكال.
خاتمة: نحو العقد المنشود
إن استعادة السيادة الوطنية تبدأ من استعادة "الإنسان اليمني" لثقته في نفسه وفي دولته. إن التحدي السياسي الأكبر هو الانتقال من حالة "التهدئة الهشة" إلى بناء "الدولة الوطنية" الجامعة التي تتجاوز الانقسامات. السيادة الحقيقية لا تُوهب، بل تُنتزع عبر وعي شعبي يرفض الارتهان، وعبر نخبة وطنية تضع "المصلحة العليا" فوق حسابات الربح والخسارة الضيقة. إنها دعوة لصياغة مستقبل لا مكان فيه للميليشيا أو الطائفية، وطن يتسع للجميع تحت مظلة القانون والعدالة.