آخر تحديث :الخميس-19 مارس 2026-10:44م

المساء في مضارب الأحبة

الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 03:08 م
د. عوض احمد العلقمي

بقلم: د. عوض احمد العلقمي
- ارشيف الكاتب


‏   وصلت إلى جوار جبل مهناب ، حيث مسقط الرأس ، وتجمع الأهل والأحبة ، مراتع الصبا ، وذكريات الطفولة ، ذلك الجبل المنيع ، ليس بشهوقه وشموخه وحسب ، ولكن بالساكنين في حناياه وجواره ، فإذا مانظرت إلى قمته التي يعجز عن إخفائها غسق الدجى ؛ إذ تبقى بارزة في الأفق ، وكأنها ترحب بالوافد ، وتبتسم للناظر  ...

‏   لم أحط الرحال بعد حتى وجدت نفسي محاطا بكوكبة من الشباب ، في سن الفتوة ، كالنحل حول ملكتها ، حقا لقد كدت أنسى نفسي وأنا أنظر إلى رجولتهم المبكرة ، وكرمهم ، وشهامتهم ، فضلا عن احتفائهم الكبير بمقدمي ، بل شعرت وكأنهم يجدون في الأب الروحي ، الذي يلتمسون منه القوة والثقة والإرادة ، أو من سيرفع عنهم شيئا من ظلم الدهر ، ومآسي الحرمان ، كذلك لاأنكر أنني قد شعرت بعودة الشباب إلي مرة أخرى ، ينساب مسرعا في عروقي كانسياب الماء بين زروع الذرة في الحقول بعد أن أوشك أن يقتلها الظمأ ...

‏   وفي مساء الليلة التالية طلبت من الشباب أن يعدوا الزاد والراحلة والفراش ، ولما أكمل الطلب حتى أبلغوني أن كل شيء طلبته بين يديك  ...

‏   انطلقنا نحو الأخ الحبيب ، رفيق المنفى الذي أرسل إلي ذات يوم بيتا من الشعر فحواه ؛ إن الزمن يجري والعمر قصير ، وقد يغدر به القدر فينقطع حبل الوصل والإخاء قبل أن نلتقي . كانت الطريق غير معبدة ، وأستار الليل قد أسدلت ، والمسافة حوالي عشرة كيلومترات ، وكوخه الصغير تستره الأشجار الكثيفة ، وتعلوه الجبال الشاهقة ، لكن الطقس كان معتدلا ، والرياح هادئة ، والبعوض ليس له أثر ، أوقفنا المركبة بمحاذاة الكوخ ، ثم ناديت باسمه بصوت مرتفع ؛ وإذا به يقف متوكئا برجله الثالثة ، يصحبه ضوء خافت ، من على فراش مصنوع من الحصير المحلي ، عليه بطانية مخططة متهالكة قد أكل الدهر عليها وشرب ؛ يردد القول : هذا صوت حبيبي عوض ، هلم ياعوض ، يتحسس بعكازه ويخطو نحوي ، فخشيت أن يقع ؛ لشدة الظلمة وضعف بصره ، لذلك أسرعت نحوه واحتضنته ، ثم طلبت منه أن يجلس ولا ينشغل بأمري فأنا بمعيتي الشباب ، الذين سوف يتولون أمري وأمرك ، وما عليك إلا أن تأخذ راحتك الكاملة ، وتحدثني عن الزمن الذي افترقنا فيه ، وباعدت بيني وبينك الحياة القاسية ، وصعوباتها ، وضغوطاتها ...

‏   حقا لقد كانت ليلة رائعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، كيف لا تكون رائعة وأنت قد التقيت فيها بأخ وحيد ، جار عليه الزمن ، وثأر من زوجه وأبنائه القدر ، وتنكر له الأقرباء ، وابتعد عنه الأصدقاء ، فاستفرد به الفقر ، وهاجمته بوحشية الأمراض ...

‏   الأمر الذي جعل اللقاء بيننا يصنع الأنس والألفة ، بعد فراق وغربة ، والجمع بعد شتات ، والمواساة بعد جفاء ، وتلمس الأحوال بعد غياب ، والتذكر بعد نسيان ...