تتردد في الذاكرة مواقف صغيرة بحجمها، عظيمة بمعانيها، تختصر زمنًا كاملاً من القيم والانضباط. ومن بين تلك المواقف، تبرز عبارة لا تزال ترنّ في الأذهان حتى اليوم...
(لا تساعدني على الإخلال بوظيفتي.)
لم تكن هذه الكلمات مجرد رد عابر من رجل المرور، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن منظومة أخلاقية ومهنية كانت تحكم العمل العام في ما يُعرف بـالزمن الجميل .
ذلك الزمن الذي كان فيه النظام ممارسة يومية تُحترم وتُطبّق على الجميع دون استثناء.
كان رجل المرور يقف في موقعه بثبات، لا يساوم، ولا يجامل، ولا يخضع لضغوط أو وساطات. كانت القوانين واضحة، وتطبيقها أكثر وضوحًا. لم تكن السيارات الحكومية تتحرك كيفما شاءت، ولا المركبات العسكرية تسير دون ضوابط. بل كان لكل حركة سجل، ولكل مهمة
(دفتر رحلات) موثق ومختوم من الجهة المختصة.
نظام بسيط في ظاهره، لكنه عميق في دلالته.. الدولة كانت حاضرة، والنظام كان محترمًا.
اليوم، ونحن نستحضر تلك المشاهد، يطرح السؤال نفسه بإلحاح...
هل نبكي على تلك الأيام، أم على الرجال الذين صنعوا معناها؟
الحقيقة أن الزمن لا يصنع القيم، بل الناس هم من يصنعون الزمن.
أولئك الرجال الذين كانوا يرون في وظائفهم أمانة لا تقبل التهاون، ومسؤولية لا تحتمل التفريط
هم من منحوا لتلك المرحلة جمالها وهيبتها. لم يكونوا ملائكة، لكنهم كانوا يملكون ضميرًا حيًا، وشعورًا عميقًا بأن تجاوز النظام خيانة قبل أن يكون مخالفة.
إن ما نفتقده اليوم ليس القوانين، فهي لا تزال موجودة في النصوص، بل نفتقد روح الالتزام بها. نفتقد ذلك الإحساس الداخلي الذي يجعل الموظف يقول بثقة:( لا)
حين يكون ( اللا ) واجبًا، دون خوف أو تردد.لقد كانت تلك العبارة..
لا تساعدني على الإخلال بوظيفتي درسًا في النزاهة، يجب أن يُدرّس للأجيال، لا أن يُروى كذكرى. فهي تختصر فلسفة كاملة في العمل العام، قوامها أن احترام النظام هو أساس العدالة، وأن العدالة لا تُبنى بالمجاملات.قد لا تعود تلك الأيام كما كانت، لكن قيمها يمكن أن تعود… إذا أردنا. وإذا أدركنا أن بناء الأوطان لا يبدأ من القوانين، بل من الإنسان الذي يطبقها.
عيد فطر مبارك كل عام وانتم بالف خير وصحه وسلامه
عبدالقادرخضر السميطي
دلتا أبين
19مارس 26م