ها هو العيد، عيد الفطر المبارك، أقبل في بلدٍ مُزّقوه وعاثوا فيه الفساد… أبناؤه مشردون تائهون، أغلبهم بلا مأوى، في الرمال والصحاري، فقدوا أبناءهم ومنازلهم… قتلى، جرحى، في السجون مختطفون.
عيدٌ يأتي والقلوب مكسورة، والأمهات تذرف الدموع… ما بين أمٍ مكلومة موجوعة على ابنها، زوجها، أخوها… وأمٍ مشردة في الصحراء نازحة، بعد أن فقدت ذلك الثراء والرفاهية… وأطفال بجوارها يحلمون بأبسط حلم للطفل: بدلة نظيفة.
وهنا، ركّز يا من تقرأ… عليك أن تبحث عن هؤلاء لتفرحهم، حتى تحس بالسعادة أنت أولاً.
لن أتحدث هنا للوجع… لكني أتحدث عن حقوق وواجبات، على الدولة أن تعيدها، وأن تغرس السعادة في قلوب اليمنيين… اليمنيين الكبار، العفيفين، القبائل الأبطال، المتعلمين والمعلمين، النخب المثقفة… التي كانت تعيش حياة رغيدة وعيشة جميلة، ومابين لحظة وضحاها، أبى القاتل الإرهابي والعصابات المارقة إلا أن يحولوا نعيم اليمنيين إلى جحيم لا يُطاق.
سُلبت منهم كل جمالٍ وجميل… سُلبت أحلامهم، أملاكهم… قُتلوا، فُجّروا، دُمّروا… عاثوا فساداً. سنوات يقضيها اليمنيون في حروب عبثية متوحشة، تقتل بلا رحمة، وتدمر بلا إنسانية… الطفل، المرأة، الطاعن في السن.
لا أتحدث هنا ككاتب للشهرة أو التشهير… لكن واجب، وأقل واجب، أن نقول الحقيقة.
وفي مناطق الشرعية… حيث يرى الناس الأمل الأكبر، عن فسادٍ أيضاً لن يتغير، بل تطور بشكل أكثر حداثة وأناقة… فلا رقابة ولا خوف، بل أصبح موضة وتفاخر… في البناء والزنهقة والتكيف، بينما ذلك الذي يقدم روحه، لن يستطيع أن يجبر بخاطر أطفاله في المخيم، كسوة أو جعالة عيد.
هذا الذي يعيشه الشعب… وهذه هي النخبة التي تحكم اليوم. نخبة قيل إنها خرجت من صنعاء مكرهة لتستعيدها، ولكن… تغيّر الواقع، وتقلبت الموازين، وأصبحوا في قمة الرفاهية… سحرة في الكلام، متواضعين في الواجهة، لكنهم يملكون ما لا يُصدق، حتى بات السؤال: هل ما يزالون يريدون استعادة صنعاء؟ أم أن الواقع أعجبهم؟
أيها العيد… ماذا تريد أن أقول؟
هو الواقع… وأنا قلت أقل القليل مما هو موجود.
أيها العيد… لا جديد.
أطفال الأبطال بلا كسوة… أبوهم شهيد، أخوهم، أقاربهم… ينتظرون راتباً لا وجود له إلا في مواقع التواصل الاجتماعي… معركة طويلة عريضة على راتب، وإذا تحقق، لا يُعرف أين يذهب وكيف يُصرف.
أيها العيد… بقي لي أن أقول:
إن قريتي الصغيرة الكبيرة برجالها ومناضليها وأحرارها تنتظر عودتي… وتفخر بمكانتي، حين أصبحت أمام الطاغوت كابوساً، مع مئات الصحفيين والإعلاميين الأحرار… في جبهة تشتد كل يوم.
لم يبقِ لي هذا الطريق وقتاً حتى لأسرتي…
لكن المعركة معركتنا، وسندحر الباطل بأقلامنا، وإن لم يتحقق ذلك بالبندقية، فأقلامنا ستعيد السلام الذي ننشده منذ البداية… إن عقل الحوثيون، وجنبوا صنعاء الدمار.
إلى قريتي التي ولدت فيها… إلى أمي وأبي، وكل أسرتي وأقاربي وأهلي الكرام… كل عام وأنتم بألف خير.
وإلى اليمنيين الأحرار الأبطال، في كل الثغور والجبال والصحاري… كل عام وأنتم بصحة وسلامة.
وأخيرًا… أعود بذاكرتي إلى تلك الأعياد التي كانت بسيطة لكنها مليئة بالحياة. كنا نصنع فرحتنا بأيدينا… بالألعاب النارية البدائية، نخلط الرماد مع القاز، نشعل النار ونضحك، أنا وأبناء الحي، نركض ببراءة، نحرق ملابسنا أحيانًا من شدة اللعب، ولا نبالي.
ننتظر الصباح بفارغ الصبر… لنرتدي ملابسنا الجديدة، ونذهب إلى صلاة العيد، ثم ننطلق لزيارة خالاتي، شقيقات جدتي، وعماتي، شقيقات أبي، وعمومي، ونجتمع مع أولاد خالي… فرح كبير، كل واحد يتفقد بدلة الآخر، وكلنا سعداء، نردد “يا عيد يا عيد”، وصوت الطرب اليمني الأصيل يملأ الأجواء.
وكانت تتردد في الحارات أغاني العيد، مثل أغنية "انا ستنا ياعيد " للفنان علي بن علي الانسي ، التي كانت تعطي للعيد طعمه الحقيقي، وتزيد اللحظة جمالاً وفرحًا، فنشعر أن الحياة كلها عيد.
كانت الحياة جميلة… بسيطة… صادقة… قبل أن تغيّرها الحرب ، وقبل أن تعبث بها المليشيا الحوثية وتحولها إلى هذا الواقع المؤلم.
ومع ذلك… سيبقى الحلم حيًا،
وسيعود العيد يومًا كما كان… أجمل.