آخر تحديث :السبت-21 مارس 2026-10:17م

حضرموت التاريخ

السبت - 21 مارس 2026 - الساعة 07:26 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب



حضرموت لم تكن في يومٍ من الأيام كيانًا تابعًا أو هامشًا ملحقًا بمركزٍ سياسيٍّ عابر، بل تشكّلت عبر تاريخها الطويل كيانًا مكتمل الخصوصية، سابقًا لكثير من التقسيمات والصراعات التي عرفتها المنطقة لاحقًا. لم تُعرّف حضرموت نفسها يومًا عبر صراع شمالي أو جنوبي، ولا عبر شعارات أيديولوجية طارئة، بل عبر هوية راسخة قوامها الإنسان، والأخلاق، والاستقلال الاجتماعي في القرار والسلوك.

هذا التكوين الخاص جعل حضرموت جزءًا من اليمن تاريخًا وجغرافيا، دون أن تفقد خصوصيتها أو تُختزل في تبعية سياسية. فهي لم تكن منغلقة على محيطها، ولا ذائبة فيه، بل حافظت على توازنٍ نادر بين الانتماء والتميّز، وهو ما منحها قدرة فريدة على التفاعل مع الداخل والخارج دون فقدان ذاتها.

ولعل أبرز ما ميّز الحضارم عبر تاريخهم هو أسلوب تعاملهم مع الآخر. فالهجرة الحضرمية لم تكن حركة بحث عن الرزق فحسب، بل امتدادًا لمنظومة أخلاقية جعلت من التاجر الحضرمي نموذجًا للصدق، والأمانة، وحسن المعاملة. وبهذا السلوك، دخل الإسلام إلى مناطق واسعة في شرق آسيا وشرقي إفريقيا، لا بالقوة ولا بالفرض، بل بالقدوة. ففي إندونيسيا وماليزيا والهند وسواحل إفريقيا، لم يُعرف الحضرمي غازيًا أو متسلّطًا، بل شريكًا موثوقًا، حتى بات حضوره محل تقدير المجتمعات المحلية، واحترام السلطات، وموضع ثقةٍ استمر أثرها قرونًا.

هذا الإرث لم تصنعه خطابات دعوية ولا دعاية سياسية، بل صنعه السلوك اليومي، وهو ما أكسب الحضارم مكانة فرضت نفسها على العالم الخارجي دون صخب أو ادّعاء. ومن هنا، فإن أي محاولة للنيل من حضرموت أو تشويه إنسانها لا تعكس إلا جهلًا بتاريخٍ طويل من الإسهام الإنساني، والديني، والتجاري.

ورغم ذلك، لم تسلم حضرموت من محاولات التوظيف السياسي، سواء عبر أطراف داخلية أو حسابات إقليمية، حيث جرى في مراحل مختلفة تدوير شخصيات سياسية بعينها، لا لتمثيل حضرموت تمثيلًا حقيقيًا، بل لسهولة توجيهها وتنفيذها سياسات لا تعبّر عن تطلعات الناس ولا تحترم خصوصيتهم. هذه المقاربة لم تُنتج استقرارًا، بل عمّقت فجوة الثقة، وراكمت مظالم لا تزال آثارها حاضرة.

وفي لحظات الخلاف السياسي، شهد الخطاب الإعلامي انحدارًا ملحوظًا، تمثّل في التعميم والتخوين، واستخدام لغة جارحة طالت الحضارم واليمنيين عمومًا، بل وصل الأمر إلى انتحال أسماء حضرمية لإطلاق حملات تشويه وتحريض، في سلوك لا يخدم أحدًا، ولا يعكس فهمًا لطبيعة حضرموت أو لتركيبتها الاجتماعية. مثل هذا الخطاب لا يبني علاقات، ولا يحفظ تحالفات، بل يزرع الشك ويقوّض الثقة.

الحضارم، بحكم تاريخهم وتجربتهم، ليسوا دعاة صدام ولا أهل تهوّر. عُرفوا بالصبر والحِكمة، وبإدارة الخلاف بهدوء واتزان، غير أن ذلك لا يعني القبول الدائم بالانتقاص أو التهميش. فالتاريخ يشهد أن الصبر حين يُساء فهمه قد يتحوّل إلى موقفٍ حاسم، وأن المجتمعات التي بنت حضورها بالأخلاق قادرة على الدفاع عن كرامتها حين تُفرض عليها المواجهة.

إن التعامل مع حضرموت يتطلّب فهمًا عميقًا لخصوصيتها، واحترامًا لإنسانها، وإشراكًا حقيقيًا لأبنائها في القرار، لا الاكتفاء بواجهات سياسية ضعيفة أو شخصيات بلا ثقل مجتمعي. فالقرارات المجحفة التي فُرضت في مراحل سابقة لم تكن أخطاءً عابرة، بل خلّفت آثارًا اقتصادية واجتماعية لا تزال قائمة، وتحتاج إلى معالجة جادّة لا إلى تبرير أو تجاهل.

حضرموت لا تطلب امتيازًا خارج إطار الدولة، ولا تبحث عن صدام مع أحد، لكنها ترفض أن تكون ورقة أو أداة في صراعات الآخرين. ومن أراد شراكة حقيقية معها، فعليه أن ينطلق من احترام تاريخها، وفهم دورها، والتعامل معها ككيان متكامل، لا كملف ثانوي أو هامش قابل للتجاوز.

فالتاريخ لا يُمحى بالخطاب، ولا تُلغى الحقائق بحملات إعلامية، ومن لا يقرأ حضرموت قراءةً صحيحة اليوم، لن يُحسن التعامل معها، ولن ينجح في بناء علاقة مستقرة معها في المستقبل.

بقلم / أحمد سعيد العمودي