آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:35ص

الأمة لا الجغرافيا: خيار القوة واسترداد السيادة

الإثنين - 23 مارس 2026 - الساعة 02:46 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


​في قلب الأعاصير التي تضرب خارطة الشرق الأوسط اليوم، ومع تسارع طبول الحرب التي لم تعد مجرد مناوشات حدودية بل تحولت إلى صدام وجودي مباشر، يبرز سؤال السيادة كأكبر التحديات التي تواجه الإنسان العربي والمسلم في هذا العصر. إن ما نشهده اليوم من استهداف مباشر لقلب المشاريع الإقليمية، بدءاً من الضربات التي طالت العمق الإيراني وصولاً إلى غليان الجبهات في لبنان والعراق، ليس إلا فصلاً من فصول صراع طويل يتجاوز حدود الرصاص والصواريخ، ليضرب في عمق الهوية وبناء الذات.

​لقد أثبتت أحداث مطلع عام 2026 أن الرهان على القوى الدولية الكبرى رهان خاسر وتجارة بائرة؛ فروسيا تتحرك وفق حسابات نفعية ضيقة، والصين تنكفئ خلف مصالحها الاقتصادية، أما الولايات المتحدة فقد كشفت الحرب زيف وعودها بـ "الحماية" لدول الخليج، إذ تركتها تواجه تحديات الصواريخ والمسيرات دون دعم حقيقي، مكتفية بتصريحات جوفاء فاقدة للفعل. إن الحلفاء الدوليين لا يقدمون مظلات أمنية مجانية، بل هم في حقيقتهم شركاء في إدارة الأزمات لا في حلها، مما يترك شعوب المنطقة أمام حقيقة مرة مفادها أن القوة التي لا تنبع من الداخل هي محض وهم يتبدد عند أول مواجهة حقيقية.

​وفي هذا السياق المعقد، تبرز ردة الفعل الإيرانية تجاه الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية كإشكالية استراتيجية كبرى. إن استهداف دول عربية أو التلويح بضرب حقول النفط والغاز في الخليج بذريعة الضغط على واشنطن لإيقاف الحرب، قد يبدو منطقياً من الناحية التكتيكية قصيرة المدى، لكنه يمثل خطأً استراتيجياً فادحاً؛ فهو يكرس الشروخ القائمة ويعزز القناعة بعدم جدوى أي تقارب مع طهران. وهنا تبرز أهمية "الصبر الاستراتيجي" العربي لعدم الوقوع في الفخ الإيراني الإسرائيلي المشترك، الذي قد يقود إلى خروج إسرائيل من المواجهة تاركة المنطقة تغرق في حرب عربية إيرانية مدمرة، لا يستفيد منها سوى رعاة المشروع الصهيوني.

​إن التحول الحقيقي نحو القوة لا يبدأ من استيراد السلاح أو الانضواء تحت أحلاف غريبة، بل يبدأ من "بناء الذات" عبر تراكم منهجي للقوة في كافة المجالات، مع الحذر الشديد من السقوط في فخ التظاهر بالمنعة أو الاكتفاء بالشعارات الرنانة التي تغطي عجز الواقع. إن القوة الذاتية الحقيقية ترتكز في مقامها الأول على تحقيق العدالة بمفهومها الشامل، التي تُشعر المواطن بآدميته وانتمائه، مما يعزز الأمن الاجتماعي كخط دفاع أول. وفي هذا الإطار، يبرز النموذج التركي كحالة تصاعدية توازن بين الاستقلال الاستراتيجي والنمو التصنيعي، شريطة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ضد عواصف التضخم.

​وبالانتقال إلى الجغرافيا المركزية، نجد أن السعودية تمتلك مقومات النهوض لو توفرت الإرادة للتحرر الناعم من قيود التأسيس التقليدي نحو آفاق الدولة القومية الحديثة التي تصنع سلاحها وقرارها. أما العقدة الكبرى فتكمن في الحالة المصرية، حيث يعاني الجسد من تلوث هيكلي ناتج عن اختراقات صهيونية تغلغلت في مفاصل الدولة منذ عقود، وهو اختراق جعل القرار مرتهناً لسياسات تخدم العدو أكثر مما تخدم الشعب. إن تطهير هذا الجسد لن يحدث بالمسكنات، بل بفعل جذري يقتلع التبعية ويعيد صياغة العقيدة الوطنية.

​إن التاريخ ينبئنا بأن القوة القادمة التي ستقلب الموازين لن تنطلق من رايات وطنية منكفئة على حدود رسمها المستعمر، بل من مشروع جامع يؤمن بمفهوم "الأمة" كفضاء جيوسياسي وعقائدي موحد. إننا أمام لحظة الحقيقة، حيث ينهار ركام الدول الوظيفية المخترقة، ليفسح المجال أمام ولادة مشروع الأمة التي لا تحدها حدود ولا تكسرها اختراقات، المشروع الذي يحقق المنعة والكرامة لكل إنسان ينتمي لهذا الفضاء العظيم.