آخر تحديث :الإثنين-23 مارس 2026-11:25م

الحرب ضد إيران: الوجه الآخر لمحاولة عرقلة رؤية السعودية 2030

الإثنين - 23 مارس 2026 - الساعة 03:49 م
هشام السامعي

بقلم: هشام السامعي
- ارشيف الكاتب


في أبجديات الجيوسياسة يعتبر الانهيار الكامل للخصوم التاريخيين مغرياً، لكنه في الحالة السعودية الإيرانية يمثل فخاً استراتيجياً. ذلك أن تحطيم الدولة الإيرانية بشكل كلي لا يعني بالضرورة مكسباً سعودياً، بل يعني صعود شرطي وحيد للمنطقة متمثلاً في إسرائيل مدعومةً بآلة عسكرية أمريكية لا تتحرك إلا وفق بوصلة مصالحها الانتهازية.

السعودية اليوم لم تعد تقبل بدور الحليف التابع الذي ينتظر الحماية من الدول العظمى، بل أصبحت دولة تمتلك الطموحات والقدرات لانتزاع مكانة كقطب دولي مستقل ومؤثر في القرار الدولي. هذا الطموح يتطلب وجود توازن إقليمي وتعدد قطبي عالمي يمنع انفراد أي طرف بصياغة مستقبل المنطقة. وبالتالي سقوط طهران وتحولها إلى دولة دُمية أو نظام وكيل لواشنطن وتل أبيب سيحول الجغرافيا الإيرانية من تهديد أيديولوجي مباشر إلى أداة ابتزاز جيوسياسي تستخدم ضد العواصم الخليجية الغنية بالثروات، لإبقائها دائماً تحت الحاجة للحماية الغربية، وهو ما يتناقض جذرياً مع جوهر السيادة التي تبنيها الرياض.

لقد نجحت الدبلوماسية السعودية في هندسة علاقة متوازنة فريدة، فهي الصديق المقرب لواشنطن، والشريك الاستراتيجي لبكين، والمحاور الموثوق لموسكو. هذا التعدد القطبي هو ما منح الرياض نفوذها الحالي في دوائر القرار الدولي. وربما يؤدي تفتيت أو انهيار إيران وهي الدولة الحليفة عسكرياً للصين في المنطقة إلى زلزال في هذه التوازنات، ستجد السعودية نفسها مضطرة لبذل جهود مضاعفة وكلفة سياسية ومادية باهظة لإعادة ترتيب أوراقها مع الشرق وتحديداً الصين وروسيا الذين سيفقدون موطئ قدمهم في المنطقة، مما قد يدفع هذه القوى الكبرى للبحث عن بدائل أو ممارسة ضغوط مضادة تربك الخريطة التي حاولت الرياض رسمها بشكل هادئ.

كما أن الرياض تفضل التعامل مع إيران بحجمها الطبيعي كدولة طبيعية ضمن نظام دولي مستقر، على التعامل مع فراغ إيراني تسعى من خلاله أمريكا وإسرائيل لعودة المنطقة إلى حقبة القطبية الواحدة التي تحاول المملكة الخروج منها، وهنا تبرز ايضاً نقطة مهمة في تقديرات السياسة السعودية والخليجية، فبرغم الصراع المرير مع أذرع إيران في المنطقة كالحوثيين وميليشيات العراق وحزب الله، إلا أن استئصال هذه الجماعات بالكامل من خريطة التأثير في توقيت تحاول فيه إسرائيل الهيمنة، قد لا يخدم المصلحة العربية بعيدة المدى، إذ أنه في لحظة تصادم المصالح الكبرى، قد تصبح هذه المليشيات بشكل غير مباشر أوراق ضغط تُشغل إسرائيل وتمنعها من الالتفات الكامل نحو استهداف الطموح الخليجي. لكنها بدلا عن ذلك تحولت هذه المليشيات الى خنجر في خاصرة المشروع العربي بشكل عام والخليجي على وجه الخصوص. وبدلا من مشاركتها في دعم المشروع العربي تحولت الى اداة تهديد وابتزاز تستخدمها ايران ضد المشروع العربي.

كما ان هناك حقيقة تدركها الرياض ومعظم دول المنطقة وأثبتتها الوقائع خلال المائة عام الماضية وهي أن إسرائيل دولة حرب بنيوية، لا يمكنها العيش في بيئة يسودها السلام والازدهار الاقتصادي المستقل. ولذلك يصبح التفوق السعودي الحالي في خلق نموذج آمن ومستقر ومتفوق تنموياً، مزعجاً لصانع القرار الإسرائيلي.

ولذلك تسعى تل أبيب منذ عقود لأن تكون هي المركز والجميع حولها أطراف واستهلاكيين. لذا فإن هدفها في تحييد الخطر الإيراني سيجعلها تلتفت فوراً نحو المنافس الاقتصادي الحقيقي القادم، المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا. وهو ما سعت إليه باكراً من خلال دعمها "سواء سراً أو علناً" لبؤر التوتر في السودان، وأرض الصومال، وجنوب اليمن، وليبيا، في سعيها لضرب العمق الأمني للمملكة والدول العربية ، ومحاولة إشغالها بحرائق جانبية تستنزف مواردها وتعرقل رؤية 2030.

كما أن رغبة السعودية في بقاء إيران كدولة طبيعية لا كنظام ثوري هو جزء من استقرار المنظومة التي تحمي الممرات المائية والتجارة العالمية، وهو ما تفتقر إسرائيل للمصلحة فيه.

إن هدف المشروع السعودي في تحويل المنطقة إلى أوروبا الجديدة، كما أعلن عنها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو طموح يتطلب استقراراً طويلاً في المنطقة لجذب استثمارات بمليارات الدولارات، هذا النوع من الاستقرار يزعج السياسة الأمريكية التي اعتادت بيع السلاح وإدارة الأزمات بدلاً من حلها. وتدرك أمريكا وإسرائيل أن المستثمر العالمي لن يأتي إلى منطقة تعيش تحت رحمة المزاج العسكري الإسرائيلي أو التقلبات الحزبية في واشنطن. لذلك تسعى السعودية إلى تهدئة الجبهات، ليس ضعفاً، بل لأنها تدرك أن جزء من هدف الحروب هو استنزاف الثروات، بينما تحقيق السلام هو زمن تكريس السيادة السعودية كقوة اقتصادية عظمى.

إن التوجه السعودي الحالي لا يتمحور حول من يكسب الحرب، بل حول من يملك السلام. وهنا تقتضي مصلحة السعودية خروج إيران من هذه الحرب منكسرة الأجنحة ولكن باقية الهيكل، بحيث لا تملك القدرة على التهديد، ولا تترك الساحة فارغة لتغول إسرائيلي أمريكي يعيد المنطقة إلى بيت الطاعة الغربي. إنها لعبة الحفاظ على الخصم الظاهر لضمان لجام العدو الخفي، وهي أرقى أنواع المناورات السياسية في التاريخ الحديث.


هشام السامعي

23 مارس 2026