لم تعد مسألة عودة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المشهد السياسي محل نقاش جاد، بل أصبحت أقرب إلى وهم يُسوَّق لأنصاره أكثر من كونها احتمالًا واقعيًا. فجريمة اجتياح حضرموت في ديسمبر 2025، وحجم الإخفاقات وعمق الفساد، وطبيعة الأداء خلال السنوات الماضية، كلها عوامل جعلت من هذا الكيان نموذجًا للفشل السياسي الذي يصعب ترميمه.
فإلى جانب جسامة جريمة اجتياح حضرموت والمهرة وسقطرى، يأتي ملف الفساد الثقيل الذي يلاحق قياداته في مقدمة هذه العوامل، إلى جانب الاتهامات الخطيرة بتبديد ما يقارب خمسة مليارات دولار من الدعم والمنح السعودية التي كانت مخصصة لتحسين البنية التحتية في عدن والجنوب. هذه الأموال لم تنعكس على الأرض، ولم تُترجم إلى مشاريع ملموس
ة، ما فتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول مصيرها. ثم تأتي انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، ثم كارثة ارتباطه بالصهيونية العالمية التي أفقدت المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل أي رصيد من الثقة.
أما على مستوى السلوك السياسي، فقد تحوّل العمل داخل هذا الكيان إلى ما يشبه “الارتزاق المنظّم”، حيث أصبح الحصول على المقابل المالي شرطًا مسبقًا لأي نشاط أو تحرك. هذا الواقع جرّد المشروع من أي مضمون وطني أو قيمي، وحوّله إلى شبكة مصالح ضيقة تعيش على التمويل، لا على المبادئ. وها هم اليوم أغلب قياداته، بعد توقف الدعم الإماراتي، يتسولون في الرياض للحصول على راتب شهري بالريال السعودي، فيما يهاجم مناصروهم السعودية في الداخل للفت النظر والحصول على بعض المال.
على مدى عشر سنوات، لم يقدّم المجلس إنجازًا يُذكر يبرّر وجوده، بل أضاع فرصًا حقيقية كان يمكن أن تغيّر مسار جنوب اليمن. وبدلًا من البناء، انشغل بالصراعات الداخلية وتغليب المصالح الشخصية، حتى وصل اليوم إلى مرحلة الانهيار الفعلي.
الصورة في حضرموت تكشف هذا التدهور بوضوح فجّ. ما تبقى من أنصاره هناك لا يتجاوز بعض المحاولات البائسة لرفع صور أو شعارات في أماكن هامشية، أحيانًا في ممرات المجاري أو الأزقة المهملة باستخدام الأطفال، ثم تصويرها والترويج لها كـ“إنجازات”. هذا المشهد لا يعكس فقط تراجعًا سياسيًا، بل انهيارًا كاملًا في مستوى الخطاب والهدف والأخلاق.
والمفارقة أن من كانوا بالأمس يتحدثون بلغة التعالي ويفرضون حضورهم بالقوة، باتوا اليوم يلهثون خلف أي مساحة صغيرة لالتقاط صورة، أو أي مناسبة عابرة لإثبات أنهم ما زالوا موجودين، وغالبًا ما يحدث ذلك بواسطة الأطفال. إنه سقوط مدوٍ من حالة ادّعاء السيطرة إلى واقع البحث عن مكان لرفع صورة.
ولمواجهة هذا الانهيار، لجأ البعض إلى سلاح التضليل عبر ترويج وعود وهمية وسيناريوهات خيالية، مثل الحديث عن “عودة القائد الفار” أو تغيّرات سياسية وشيكة لا وجود لها إلا في المخيلة. هذه الحكايات لم تعد تقنع إلا البسطاء، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم الإفلاس السياسي الذي وصل إليه هذا الكيان.
الأخطر من ذلك هو استمرار دائرة الوهم بين مروّج ومصدّق، حيث تُبنى المواقف على أوهام لا علاقة لها بالواقع. ومن أبرز هذه الأوهام الادعاء بأن السيطرة على حضرموت مسألة مؤجلة بانتظار انسحاب القوات السعودية، وكأن الواقع المعقّد يمكن اختزاله في أمنية ساذجة.
في المحصلة، لم يعد المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل مشروعًا سياسيًا يمكن إصلاحه، بل حالة مستهلكة فقدت كل مقومات البقاء. ما نراه اليوم ليس تراجعًا عابرًا، بل نهاية طبيعية لمسار قائم على الفشل والفساد والتضليل.