آخر تحديث :الإثنين-23 مارس 2026-11:25م

تفاوض لإنقاذ السوق العالمية

الإثنين - 23 مارس 2026 - الساعة 07:42 م
محمد عثمان الابجر

بقلم: محمد عثمان الابجر
- ارشيف الكاتب


عميد/ محمد الأبجر: تفاوض لإنقاذ السوق العالمية “الدولار” في اليوم الرابع والعشرين من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران


القراء الأعزاء، ها نحن في اليوم الرابع والعشرين من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وإيران لم تسقط. منذ الطلقة الأولى تناولنا اتساع تكلفة هذه الحرب على الاقتصاد العالمي، ومعضلة الجغرافيا في الردع الإيراني. وخلال الساعات الأخيرة من مساء اليوم بدأت ملامح النهاية تلوح، ولكن ليس كما أرادها الرئيس الأميركي ترامب، بل كما فرضتها إيران.


ماذا حدث؟

ترامب هدد خلال 24 ساعة بتدمير محطات الطاقة الإيرانية، فجاء الرد الإيراني واضحًا: سنضرب محطات طاقتكم في الخليج. النتيجة كانت تراجعًا أميركيًا، وإعلانًا عن محادثات “جيدة ومثمرة”، مع تمديد المهلة خمسة أيام تحت مسمى مفاوضات، فيما أبدت إيران استعدادها ولكن وفق شروطها. هذا التراجع يعكس إدراكًا أميركيًا لطبيعة الردع الإيراني، بعد أن اتضحت خطورة استهداف شامل لمحطات الطاقة في المنطقة.


الأرقام تكشف هشاشة النصر المعلن؛ النفط تجاوز 112 دولارًا للبرميل، والتهديد بضرب منشآت الطاقة تحوّل إلى تأجيل، والمشهد انتقل إلى مفاوضات بوساطة عربية تقودها مصر وسلطنة عمان وقطر، نقلت شروطًا أميركية تتضمن فتح مضيق هرمز، وتجميد البرنامج الصاروخي لخمس سنوات، ومعالجة اليورانيوم المخصب، وإيقاف تشغيل منشآت نطنز وأصفهان وفوردو، وتصفير التخصيب، وفرض رقابة دولية على أجهزة الطرد المركزي، ووقف تمويل الحلفاء في المنطقة. في المقابل، جاء الرد الإيراني حاسمًا: إيقاف الحرب فورًا، والمطالبة بتعويضات.


في هذا السياق، فإن القراءة السياسية لتصريحات ترامب تعني أنه لم يؤجل الضربة بقدر ما أجّل انهيار الدولار، أو بالأحرى انهيار السوق العالمية، فالحرب لم تعد تُدار بالصواريخ وحدها، بل بسعر النفط المرتبط بالدولار.


لماذا اقتربت نهاية الحرب الآن؟

إيران تدرك أن قنبلتها الجيوسياسية ليست عسكرية فقط، بل في مضيق هرمز، القادر على خنق السوق العالمية. في المقابل، أدركت الولايات المتحدة أن أي تصعيد سيقود إلى تدمير منشآت الطاقة في الخليج، بل وحتى منشآت تحلية المياه، ما يعني كارثة إنسانية واقتصادية لا يمكن احتواؤها.


الحلفاء بدوا مترددين؛ بريطانيا رفضت استخدام قواعدها، والناتو انكفأ، وأوروبا اكتفت بالمراقبة. الاقتصاد الأميركي لم يعد يحتمل حربًا مكلفة، مع خسائر بشرية وضغوط داخلية متزايدة، وارتفاع أسعار الوقود التي يدفع ثمنها المواطن الأميركي. في المقابل، تحركت وساطات إقليمية من مصر وتركيا وباكستان وقطر وعُمان لاحتواء الموقف قبل الانفجار الكبير.


نهاية الحرب تطرح تساؤلات أكبر: إيران تخرج أقوى، تملك أوراق ضغط في هرمز، وتثبت قدرتها على الردع. الولايات المتحدة تبدو منهكة، تبحث عن مخرج سياسي يُسوّق كإنجاز. الخليج يدفع الثمن الأكبر، بين تهديد المنشآت واضطراب الاقتصاد، فيما تتراجع صورة الاستقرار. إسرائيل، التي راهنت على حسم سريع، تجد نفسها أمام استنزاف مكلف وفشل في تحقيق أهدافها.


في المقابل، تراقب روسيا والصين المشهد بهدوء، مع مؤشرات على تراجع النفوذ الغربي في المنطقة.


نوجز المشهد بالقول: الحرب التي بدأت بهدف إسقاط النظام انتهت بمحاولة إنقاذ السوق. ترامب هدد، إيران تحدت، وترامب تراجع. لم تسقط إيران، بل أثبتت أن الجغرافيا أقوى من القوة، ولم تنتصر أميركا، بل أثبتت أن استنزافها أسرع من قدرتها على الحسم.


ويبقى السؤال: إذا كانت هذه نهاية الحرب، فهل تكون بداية تراجع الهيمنة الأميركية في المنطقة؟