في عالم الوظيفة الحكومية هناك معادلة سحرية لا تدرس في جامعات الإدارة بل تُكتشف في ممرات المؤسسات الحكومية كلما قلّ راتبك زادت الرقابة عليك وكلما تضخم منصبك تلاشت فوقك قوانين الحضور والانصراف هذا المشهد ليس مجرد شكوى عابرة بل هو تجسيد لخلل بنيوي يحول المؤسسات من بيئات عمل منتجة إلى ساحات للتمييز الطبقي الوظيفي .
بالنسبة للموظف البسيط الدقيقة الواحدة ليست مجرد زمن بل هي خصم محتمل يهدد ميزانية الشهر المثقوبة أصلاً يستيقظ وفي قلبه رعب من زحام الطريق ليس خوفاً على الإنتاجية بل خوفاً من جهاز البصمة الذي لا يرحم هذا الموظف يُحاسب بالثانية ويُطالب بتقديم تقارير طبية تثبت مرضه إذا غاب يوماً وكأنه تلميذ في مدرسة ابتدائية بينما راتبه بالكاد يغطي تكاليف وقوفه في ذلك الطابور الصباحي .
على الضفة الأخرى نجد نمطاً من المسؤولين الذين تحولت مكاتبهم إلى مزارات نادرة الرؤية ينام في بيته بالأسبوع أو يقرر فجأة أن مصلحة العمل تقتضي سفراً سياحياً تحت غطاء مهمة رسمية دون أن تجرؤ إدارة الموارد البشرية على سؤاله أين كنت ؟ والأدهى من ذلك أن راتبه الضخم وحوافزه الفلكية تنزل في حسابه كاملة مكملة بل وقد تُصرف له بدلات سفر وهو يقضي وقته في التنزه .
قتل الولاء الوظيفي عندما يرى الموظف رئيسه يضرب بالقوانين عرض الحائط فإنه يفقد الإيمان بالمؤسسة الإنتاجية لا تأتي بالخوف من الخصم بل بالقدوة الحسنة .
ثقافة الفهلوة هذا السلوك يكرس فكرة أن النجاح الوظيفي لا يعني الاجتهاد بل يعني الوصول لمنصب يسمح لك بـ التسيب دون عقاب .
تبديد المال العام غياب المسؤول ليس مجرد غياب جسدي بل هو تعطيل لقرارات ومصالح ناس وتقاضي مبالغ مالية مقابل عمل لم يُؤدَّ وهو ما يندرج تحت باب الفساد الإداري .
إن العدالة الإدارية ليست في تطبيق القانون على الضعفاء بل في قدرة القانون على إخضاع الكبار قبل الصغار .
إن الدولة التي تضطهد الموظف الصغير على هفوة بينما تغمض عينيها عن استهتار النخبة الإدارية هي دولة فاسدة تبني نظاماً هشاً قائماً على الفساد و النفاق الوظيفي المحاسبة يجب أن تكون تنازلية تبدأ من رأس الهرم لتصل إلى قاعدته فالمسؤول الذي لا يحترم وقت العمل لا يملك الحق الأخلاقي في محاسبة مرؤوسيه على تأخير عشر دقائق .
آن الأوان لربط الأجر بالإنتاجية الحقيقية لا بالبصمة للموظف والفساد للمسؤول .