آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-10:53م

هندسة الاستقرار: كيف تعيد الوحدة السعودية اليمنية تعريف الأمن القومي العربي؟

الأربعاء - 25 مارس 2026 - الساعة 05:41 م
فضل علي مندوق

بقلم: فضل علي مندوق
- ارشيف الكاتب


بقلم: م.فضل علي مندوق


تقتضي القراءة الرصينة لخرائط الجغرافيا السياسية في قلب الجزيرة العربية تجاوز الأطر التقليدية للدولة الوطنية نحو فضاءات التكامل الاندماجي، حيث تبرز الوحدة بين و كضرورة استراتيجية تفرضها وحدة المجال الحيوي وتشابك المصالح في سياق دولي شديد الاضطراب. إن هذا المشروع لا يمكن اختزاله في كونه تحالفًا سياسيًا ظرفيًا، بل هو إعادة تموضع عميقة لمركز الثقل في الإقليم، في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي والحروب المركبة التي تتقاطع فيها المصالح الكبرى وتُعاد عبرها صياغة خرائط النفوذ. فاليمن، بحكم موقعه الجغرافي المشرف على مضيق باب المندب وامتداده نحو بحر العرب، يمثل بعدًا استراتيجيًا حاسمًا في معادلة الأمن البحري، كما يشكّل عمقًا جيوسياسيًا لا غنى عنه في تأمين الفضاء الجنوبي لشبه الجزيرة، في حين تمثل السعودية مركز الثقل الاقتصادي والمالي والسياسي القادر على قيادة مشروع تنموي إقليمي واسع النطاق، بما يتيح تحويل هذا التداخل الجغرافي إلى تكامل فعلي ينعكس على استقرار المنطقة ككل.


إن أي تصور وحدوي، سواء في صيغة اندماجية كاملة أو في إطار اتحاد كونفدرالي متدرج، من شأنه أن يُنتج كتلة سكانية واقتصادية ذات وزن معتبر، قادرة على التأثير في مسارات التجارة الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين الممرات البحرية الحيوية. وهذا التحول، إذا ما أُحسن توظيفه، سيُسهم في تقليص قابلية الإقليم للاختراقات الخارجية، ويحد من تحويل بعض مناطقه إلى ساحات تنافس غير مباشر، عبر إعادة تعريفها كمجال حيوي مشترك خاضع لإرادة سيادية موحدة. وفي هذا السياق، يغدو البعد الأمني والعسكري عنصرًا محوريًا، إذ إن دمج القدرات الدفاعية المتقدمة مع العمق البشري والخبرة الميدانية، ضمن عقيدة أمنية موحدة، يمكن أن يُنتج منظومة ردع إقليمي فعالة، قادرة على حماية الحدود والمجالات البحرية، والتصدي للتهديدات غير التقليدية، بما في ذلك الهجمات العابرة للحدود، وشبكات التهريب، والتنظيمات المسلحة، وهو ما يستلزم في المقابل إعادة هيكلة مؤسسية دقيقة تضمن مهنية الأجهزة وتماسكها.


اقتصاديًا، يقوم هذا المشروع على منطق التكامل لا الاستتباع، حيث يمتلك اليمن موارد طبيعية وموانئ استراتيجية غير مستثمرة بالقدر الكافي، في مقابل توفر رأس المال والخبرة الإدارية والبنية التحتية المتقدمة في السعودية، وهو ما يفتح المجال أمام بناء منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على تطوير الموانئ وتحويلها إلى مراكز لوجستية عالمية، واستثمار القطاعات الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد غير النفطي. ومن شأن هذا التكامل أن يُسهم في خلق فرص عمل واسعة، وامتصاص فائض العمالة، وتحسين مستويات الدخل، بما يؤدي تدريجيًا إلى تقليص الفجوة التنموية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، شريطة أن يُدار هذا التحول ضمن سياسات تنموية عادلة تراعي التوزيع المتوازن للموارد والاستثمارات.


وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن الروابط التاريخية والثقافية والقبلية بين المجتمعين توفر قاعدة أولية للاندماج، غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بقدرة النخب السياسية على إدارة الفوارق في مستويات المعيشة والأنماط المؤسسية، من خلال تبني سياسات إدماج تدريجية، وتعزيز الهوية الجامعة، وتطوير منظومات التعليم والإعلام بما يدعم بناء وعي مشترك قائم على الشراكة لا الهيمنة. فالوحدة في هذا السياق ليست مجرد قرار سياسي، بل عملية تاريخية مركبة تتطلب إعادة صياغة للعقد الاجتماعي على أسس أكثر شمولًا وتوازنًا.


غير أن هذا المشروع، على ما ينطوي عليه من إمكانات، يواجه جملة من التحديات الموضوعية، في مقدمتها التباين في الهياكل الإدارية والمؤسسية، وتراكمات الصراعات السابقة، فضلًا عن حساسيات السيادة الوطنية، إلى جانب احتمالات التحفظ أو الضغط من أطراف دولية ترى في نشوء كيان إقليمي كبير تحولًا غير مرغوب في موازين القوة. ولمعالجة هذه العراقيل، تبدو المقاربة التدريجية خيارًا عقلانيًا، تبدأ بتأسيس إطار مؤسسي مشترك، على غرار مجلس سيادي للتكامل يتولى تنسيق السياسات الخارجية والدفاعية، مع إطلاق مناطق اقتصادية مشتركة في المناطق الحدودية والموانئ الحيوية لتكون مختبرًا عمليًا لفوائد التكامل. كما يتطلب الأمر استثمارات استراتيجية في البنية التحتية، تشمل شبكات النقل والطاقة، وربط المراكز الحضرية بشبكات حديثة تعزز من الترابط الجغرافي والاقتصادي.


إلى جانب ذلك، تبرز ضرورة إصلاح المؤسسات وتعزيز الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، بوصفها شروطًا لا غنى عنها لضمان استدامة أي مشروع وحدوي، إذ لا يمكن تحقيق اندماج فعلي في ظل بيئات مؤسسية هشة. كما أن إشراك المجتمع المحلي، والنخب الاقتصادية، ومؤسسات المجتمع المدني في صياغة هذا المشروع، من شأنه أن يعزز من شرعيته ويحد من احتمالات الرفض أو التوتر. وفي البعد الأمني، يتطلب الأمر بناء عقيدة دفاعية مشتركة تركز على حماية المجال الحيوي وتأمين الممرات الاستراتيجية، مع الانفتاح على صيغ التعاون الدولي التي تعزز الاستقرار دون المساس بالسيادة.


إن جوهر هذا المشروع يكمن في “توطين الاستقرار” عبر التنمية الشاملة، بحيث يتحول التكامل إلى أداة لإنتاج الأمن لا مجرد استجابة له، ويشعر المواطن في كلا البلدين بأن هذا المسار يفتح آفاقًا حقيقية للرفاه والكرامة والاستقرار. وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، فإن الكيانات القادرة على البقاء والتأثير هي تلك التي تنجح في بناء تكتلات قوية قائمة على المصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. ومن ثم، فإن الوحدة بين السعودية واليمن، إذا ما أُحسن تصميمها وإدارتها، يمكن أن تمثل نموذجًا متقدمًا للتكامل الإقليمي، ينقل المنطقة من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ويمنحها قدرة أكبر على صياغة مستقبلها في بيئة دولية لا تعترف إلا بالقوى القادرة على التنظيم والتأثير.