آخر تحديث :الخميس-26 مارس 2026-10:40م

استهداف المراكز العلمية والشرعية.. اغتيال حوثي للتعايش

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 04:07 م
احمد الشميري

بقلم: احمد الشميري
- ارشيف الكاتب


في مشهد يتكرر بأدوات مختلفة ويعكس جوهر مشروع واحد، أقدم مسلحون حوثيون على الاعتداء على أهل السنة من الدارسين والمقيمين في مركز الإمام الشافعي بمنطقة ماتر في مديرية ريف إب، وذلك بعد أيام قليلة من مداهمة مكتبة المسجد ومصادرة محتوياتها، هذه الواقعة ليست حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الانتهاكات التي تستهدف المراكز العلمية والمساجد ورجال الدين، ضمن سياسة واضحة تقوم على الإقصاء والتضييق وفرض واقع فكري بالقوة.

ما جرى في إب يعيد إلى الأذهان مشاهد سابقة شهدتها مناطق عدة، ويؤكد أن المليشيا تمضي في تنفيذ مشروع ممنهج يستهدف البنية الدينية والاجتماعية لليمنيين، فاستهداف المراكز العلمية لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الانتهاكات التي طالت مختلف المحافظات، من صنعاء إلى ذمار، مروراً بالحديدة، خصوصاً مديرية حيس، وصولاً إلى كل منطقة حاولت الحفاظ على طابعها الديني الوسطي.

لقد عُرف المجتمع اليمني عبر تاريخه الطويل بأنه نموذج فريد للتعايش المذهبي، ولم تكن الفوارق بين السلفي والزيدي والشافعي تمثل مصدر صراع، بل كانت جزءاً من تنوع ثري داخل نسيج اجتماعي واحد، تجتمع في مسجد واحد ومدرسة واحدة مفتوحة للجميع، فهذه المراكز العلمية كانت تستقبل طلاب العلم دون تمييز، في بيئة يسودها الاحترام والتكامل، غير أن هذا النموذج تعرض لضربة قاسية منذ لحظة انطلاق الحوثيين من صعدة عبر استهداف طلاب دماج وأبنائها وصولاً إلى صنعاء ثم ذمار وإب، لتنكشف ملامح مشروع إيراني دخيل قائم على إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أحادية لا تقبل بالاختلاف والتعايش السلمي رغم أن ديننا الحنيف يؤكد أن الاختلاف في الرأي رحمة وليس إرهاباً ويرفض التعصب المقيت.

منذ الأيام الأولى، أظهرت المليشيا الحوثية موقفاً عدائياً تجاه رجال الدين والمراكز العلمية المستقلة، وبدأت باستهدافها بشكل مباشر، سواء عبر المداهمات أو الإغلاق أو فرض خطباء تابعين لها، ومع مرور الوقت، تحولت هذه الممارسات إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الخطاب الديني وإخضاعه بالكامل وتفخيخ عقول المجتمع والأطفال والزج بهم في محارق الموت.

إن ما يؤكد ما نتحدث عنه هي الأرقام الصادمة التي أعلنت عنها الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، والتي تكشف حجم الكارثة التي تعرض لها الشعب اليمني والقطاع الديني على وجه الخصوص خلال العام الماضي 2025 وحده، فقد سُجلت أكثر من 4896 انتهاكاً، شملت قتل 277 خطيباً وإماماً ومصلياً، وإصابة 178 آخرين. كما تم تحويل 423 مسجداً إلى ثكنات عسكرية، في انتهاك صارخ لقدسية دور العبادة، إلى جانب تفجير أكثر من 103 مساجد، وإغلاق 394 مسجداً بشكل كامل.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل امتدت إلى البنية التعليمية والدعوية، حيث تم إغلاق 467 مدرسة لتحفيظ القرآن، وفرض 1291 خطيباً تابعاً للمليشيا على المساجد، في محاولة لإحلال خطاب أحادي محل التنوع الذي كان سائداً، كما جرى تحويل 219 مسجداً إلى مراكز تعبئة فكرية، و61 مسجداً إلى غرف عمليات ميدانية، ما يعكس تحول دور هذه المؤسسات من فضاءات للعبادة والعلم إلى أدوات ضمن مشروع تعبوي وعسكري إرهابي قاتل.

هذه الممارسات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الخلفية الفكرية والسياسية التي تحكم سلوك العصابات الحوثية الإيرانية، فالمشروع الحوثي يستند إلى رؤية مستوردة تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمعات على أسس طائفية، وتغذية الصراعات الداخلية بما يضمن استمرار السيطرة، وفي هذا السياق، يصبح استهداف المراكز العلمية والمساجد خطوة أساسية لتفكيك المجتمع وإضعاف قدرته على مقاومة هذا التحول.

لقد كانت أحداث دماج في صعدة واحدة من أبرز المحطات التي كشفت طبيعة هذا المشروع، حين تعرضت المنطقة لحصار خانق ومعارك دامية انتهت بتهجير آلاف السكان وطلاب العلم، وسقوط مئات الضحايا، يومها ظن البعض أن ما جرى قد يكون حدثاً استثنائياً، لكنه سرعان ما تحول إلى نموذج تكرر في مناطق عدة، وإن اختلفت الأساليب.

اليوم، تتكرر المأساة في إب وذمار وصنعاء، وتتعرض المساجد للمداهمة، بل بحسب معلوماتي أن الكثير من المساجد تحولت فيها مصليات النساء إلى مقرات للمليشيا الحوثية حرمت النساء من الصلاة فيها خصوصاً خلال أيام رمضان، كما أن المراكز العلمية تعرضت للإغلاق، ورجال الدين للملاحقة، في مشهد يعكس إصراراً على المضي في النهج نفسه.

وما يزيد من خطورة هذا المسار هو أنه لا يستهدف فئة بعينها فقط، بل يهدد النسيج الاجتماعي بأكمله، عبر زرع الانقسامات وإثارة النعرات المذهبية التي لم يعرفها اليمنيون من قبل. ووفقاً لتأكيدات عدد من السكان في المناطق المحتلة من الحوثي، فإن المليشيا فتحت مكبرات المساجد لخطب الإرهابي عبدالملك الحوثي، بينما تمنع أي خطب للجمعة، وإقامة الصلوات، خصوصاً صلاة التراويح، وهذا بحد ذاته إصرار حوثي على تدمير هوية المساجد كدور للعبادة وتعليم القرآن، وتحويلها إلى مراكز للتعبئة الخاطئة والتدمير للأجيال القادمة.

إن استهداف أهل السنة والمراكز العلمية المرتبطة بهم يكشف جانباً من هذا المشروع، لكنه في جوهره استهداف لكل أشكال التعدد والتنوع. مليشيا الحوثي لا تقبل بوجود أي خطاب ديني خارج إطارها، وتسعى إلى إخضاع الجميع لرؤيتها، مستخدمة في ذلك القوة والإكراه.

كما أن استهداف المساجد ورجال الدين يمثل ضربة مباشرة لقيم التعايش التي شكلت أساس الاستقرار الاجتماعي في اليمن، فحين تتحول دور العبادة إلى ساحات صراع، وتُفرض خطب موحدة بالقوة، ويُقصى المخالفون، فإن المجتمع يفقد أحد أهم عوامل تماسكه، ولذا فإن هذه التحديات تبرز مسؤولية جماعية على عاتق اليمنيين، بمختلف مكوناتهم، للوقوف في وجه هذا المشروع، والحفاظ على ما تبقى من قيم التعايش والتسامح.

إن الصمت على هذه الانتهاكات لا يعني سوى منحها فرصة أكبر للتمدد، وتعميق الانقسام داخل المجتمع، خصوصاً أن ما يحدث اليوم ليس مجرد انتهاكات عابرة، بل هو مسار طويل بدأ من دماج ولم ينتهِ بعد، مسار دموي إرهابي مستمر يكشف بوضوح عن مشروع لا يؤمن بالتعدد، ولا يعترف بحق الآخرين في الاختلاف وكل ما يريده هو الخضوع أو الإقصاء والقتل والتعذيب في السجون السرية، أو التهجير القسري أو التصفية لرجال الدين كما حدث في ريمة.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يستمر هذا النزيف؟ وهل يدرك اليمنيون حجم الخطر الذي يهدد مجتمعهم قبل فوات الأوان؟ مع أن الجميع يعلم سواء في المناطق المحتلة من مليشيا إيران أو تلك المحررة بل يتحدثون في وسط صنعاء أن استمرار هذه السياسات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التمزق، وأن الحفاظ على اليمن كمساحة للتعايش يتطلب موقفاً حازماً يرفض كل أشكال القمع والتطرف، ويعيد الاعتبار لقيم العيش المشترك التي طالما ميّزت هذا البلد، وهذا ما ينبغي بلورته على الأرض، وأن يتحول من كلام في صنعاء وذمار وصعدة وعمران إلى واقع ملموس يلاحق هذه العصابة الحوثية الدخيلة على مجتمعنا، التي سلبتنا جوهرة إيماننا وهي أن «يحب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه».