على غير عادة السياسيين العرب الذين يجيدون فنّ توزيع الابتسامات على الحلفاء والغياب في اللحظات الصعبة، ظهر معالي السيد بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني في هذه الحرب كظاهرة لا تشبه أحداً. وزير خارجية بلد صغير على هامش الخريطة، كان الصوت الأعلى في معركة لا يملك فيها جيوشاً ولا ترسانة نووية، لكنه امتلك جرأة الرجال الذين يعرفون أن الكلمة الصادقة في زمن الحرب تساوي ألف قنبلة.
كان معالي السيد بدر البوسعيدي وزير خارجية سلطنة عمان وحده من رفع السقف إلى الحد الذي لم يجرؤ عليه أي مسؤول عربي أو غربي. لم يكتفِ بنقل الرسائل أو القيام بدور الوسيط التقليدي، لكنه قال ما كان يجب أن يقال علناً: إن هذه ليست حرب أمريكا، وإن إسرائيل جرت القوة العظمى إلى مستنقع لا تستطيع الخروج منه، وإن على أصدقاء واشنطن مسؤولية تخليصها من حرب غير قانونية.
هذا الصوت العالي، الذي أزعج كثيرين وجلب عليه حملة إسرائيلية شرسة، كان في جوهره تجسيداً لنهج عماني لا يعرف الخنوع، وهو ما مهد الطريق لتحول ترامب من التهديد بالقصف إلى التفاوض مؤخرا
ليس سهلاً أن تكون صغيراً في منطقة لا تعترف إلا بلغة القوة، وأصعب من ذلك أن تختار أن تكون حكيماً في زمن جنون. لكن عُمان ستفعلتها مرة أخرى، وليس غريباً عليها.
منذ عقود وهذه الدولة التي تقبع في طرف الجزيرة العربية تمارس دبلوماسية لا تشبه أحداً،
وفي الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى، أثبتت عُمان مرة أخرى أن أكثر الأصوات قدرة على إيقاف الجنون قد لا يكون قادماً من عاصمة كبرى، وإنما من مكان متواضع يعرف حدود قوته لكنه لا يخاف من استخدام حكمته.
لنتذكر كيف بدأت القصة. أمريكا وإيران كانتا على وشك اتفاق في مفاوضات مسقط. المفاوضات غير المباشرة بلغت ذروتها، وكانت هناك أجواء جدية غير مسبوقة. ثم جاءت الضربة الإسرائيلية الأمريكية المشتركة بعد ساعات من أكثر المحادثات جوهرية. تخيل فقط: الضربة جاءت في لحظة كان فيها الطرفان على حافة اتفاق حقيقي.
لقد كان التوقيت سيئ، ومقصود بكل وضوح. إسرائيل دفعت أمريكا إلى حرب ليست حربها، مستغلة ضعف إدارة يسهل جرها إلى المغامرات العسكرية مقابل وعود بنصر سريع لن يتحقق.
وهنا تبرز المفارقة: أمريكا القوة العظمى، التي تملك أقوى جيش في تاريخ البشرية، وجدت نفسها منجرفة في حرب لا تريدها ولا تعرف كيف تنهيها. أما إسرائيل فراهنت على أن إيران ستنهار تحت وطأة الضربة الأولى
في هذا المشهد، جاء دور عُمان. وزير خارجيتها معالي السيد بدر البوسعيدي لم ينتظر حتى تهدأ الأوضاع، بل خرج ليكتب في صحيفة الإيكونوميست مقالاً كان بمثابة بيان موقف، ودرساً في السياسة الواقعية. قال فيها وبجرأة غير مسبوقة: هذه ليست حرب أمريكا. قال إن إسرائيل أقنعت أمريكا بأن إيران ضعيفة لدرجة أن استسلاماً غير مشروط سيتبع الهجوم الأولي. قال إن هذا الوهم سيكلف أمريكا الدخول في حرب طويلة وقال إن الإدارة الأمريكية فقدت السيطرة على سياستها الخارجية.
إنها جرأة نادرة وغير مسبوقة من قبل السلطنة، فعُمان تملك هامشاً لا يملكه غيرها، لأنها لطالما حافظت على علاقات متوازنة مع الجميع واستضافت المفاوضات السرية التي أدت للاتفاق النووي سابقا ولم تتحول أبداً إلى أداة في أيدي أحد. بالتالي فإن هذا التاريخ هو الذي أعطى وزيرها الحق في أن يقول لأمريكا: أنتم لستم في حربكم، أنتم تخدمون أجندة إسرائيلية بحتة.
والمقال لم يقف عند حدود النقد فقد ذهب معالي السيد البوسعيدي إلى تقديم رؤية لما بعد الحرب حيث قال إنه يمكن ربط المفاوضات الثنائية بمسار إقليمي أوسع حول الطاقة النووية والتحول الطاقي، وإن هذا يمكن أن يكون "الجائزة الكبرى" التي تدفع الجميع إلى التفاوض. قد تبدو هذه الرؤية بعيدة المنال في خضم الحرب، لكنها بالضبط ما تحتاجه المنطقة: فكرة عن المستقبل تخرج الجميع من مربع الصراع الصفري.
لقد كان العمانيون أكثر جرأة من أي طرف آخر في قول الحقيقة المزعجة: المصالح الوطنية لكل من إيران وأمريكا والخليج تكمن في إنهاء الأعمال العدائية. وهذه الحقيقة، كانت كفيلة بأن تضع عمان في موقع الخصم غير المباشر للوبي الإسرائيلي الذي مازال يعمل بكل قوة على إقناع واشنطن بأن النصر العسكري ممكن... لكن خبرة عمان الطويلة في التعامل مع الملف النووي الإيراني، وتاريخها في استضافة المفاوضات السرية والعلنية بين طهران وواشنطن، أعطاها هامشاً من المصداقية لا تمتلكه أي عاصمة أخرى فحين يتحدث العمانيون عن ضرورة ربط المفاوضات الثنائية بمسار إقليمي أوسع، فإنهم لا يتحدثون عن أمنيات، وإنما عن خريطة طريق جرى اختبارها في أكثر من مناسبة.
وواشنطن تعرف مصداقية تلك التصريحات العمانية لأنها في الحقيقة اكتشفت مؤخراً بأنها دخلت مستنقعاً كان يجب ألا تذهب إليه وأن تنجر وراء أوهام نتنياهو،
ولعل ما يتردد اليوم داخل أروقة الكونغرس ووسائل الإعلام الأمريكية من أصوات معارضة متصاعدة يعبر عن إحباط عميق من استغلال نتنياهو للقوة العظمى لتحقيق أجندته الخاصة.
ولأن عُمان كانت الوحيدة التي حافظت على مسافة نقدية من وهم "تغيير النظام" الذي ظلّ يروّج له اليمين الإسرائيلي لعقود، فقد صار صوتها اليوم هو المرجعية الوحيدة المتبقية التي يمكن لواشنطن أن تسمع فيه صوت مصلحتها قبل فوات الأوان
علاوة على ذلك فإن تلميحات ترامب عن المفاوضات، إضافة إلى الأنباء التي توردها تقارير كبريات القنوات الإخبارية المختلفة بأن هناك تقاطراً دولياً على مسقط لتبريد ساحة الخليج الملتهبة، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك دور ومكانة سلطنة عُمان في المجتمع الدولي بقيادة السلطان هيثم بن طارق ووزير خارجيته معالي الوزير بدر البوسعيدي الذي يلعب دوراً تاريخياً بما تواجه المنطقة من تحديات.
طبعاً، هناك من لم يعجبه هذا التحول.. إسرائيل اليوم تشن حملة شرسة ضد وزير الخارجية العماني. وهذا طبيعي. فكلما نجحت عُمان في إقناع واشنطن بأن الحرب ليست في مصلحتها، كلما خسرت إسرائيل ورقة الضغط الأساسية التي تستخدمها لجر أمريكا إلى مواجهات نيابة عنها. الحملة الإسرائيلية على البوسعيدي هي في جوهرها اعتراف بأن الدبلوماسية العمانية كانت ومازالت العقبة الأكبر أمام تحقيق الأهداف الإسرائيلية في هذه الحرب. وهذا الإحباط الإسرائيلي هو في حد ذاته مقياس نجاح.
معالي السيد البوسعيدي علّق قبل أيام في تغريدة قال فيها: "بغض النظر عن رأيك في إيران، فإن هذه الحرب ليست من صنعها. وهي تُسبب بالفعل مشاكل اقتصادية واسعة النطاق، وأخشى أن تتفاقم هذه المشاكل إذا استمرت الحرب. وتعمل عُمان جاهدةً على وضع ترتيبات للمرور الآمن في مضيق هرمز".
بهذه التغريدة لخص كل شيء: الحرب ليست من صنع إيران، هذا أولاً. ثانياً، المشاكل الاقتصادية بدأت تتفاقم. ثالثاً، عُمان تعمل على ترتيبات عملية لحماية الملاحة في مضيق هرمز. هذا هو جوهر النهج العماني وفعلا عملت السلطنة على ترتيب الملاحة في هرمز وفتحت الباب للتنسيق مع السلطات المعنية في البلاد
بالعودة الى الوراء لنتأمل قليلاً دول الخليج راهنت في السنوات الأخيرة على نموذج اقتصادي جديد قائم على السياحة العالمية والطيران ومراكز البيانات والرياضة. هذا النموذج الجميل الذي كنا نفتخر به أصبح اليوم مهدداً بسبب هذه الحرب التي لم يطلبها أحد. أسعار الطاقة ارتفعت، حركة الملاحة في مضيق هرمز تعطلت، والكساد يهدد الاقتصاد العالمي. من دفع الثمن؟ كلنا. وهذه حقيقة يقولها العمانيون بوضوح، بينما الآخرون يفضلون التزام الصمت أو الاكتفاء بالتصريحات المطمئنة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لهذا النهج أن يصمد في وجه ضغوط إسرائيلية متواصلة؟ وهل يمكن للأيام الخمسة التي أعلن عنها ترامب أن تتحول إلى نافذة حقيقية للسلام، أم أنها مجرد مهلة ستستخدمها إسرائيل لدفع واشنطن إلى العودة عن مسار التفاوض؟ الحقيقة أن نجاح الدبلوماسية العمانية حتى الآن لا يعني أن الحرب قد انتهت. فإسرائيل لم تتخل عن هدفها المعلن بتغيير النظام في إيران، وهي تملك أدوات ضغط هائلة داخل المؤسسة الأمريكية، خاصة في ظل إدارة يعرف عنها تقلبها وقابليتها للتأثر بالتيارات المختلفة.
بينما عُمان لم تدخل الحرب، لم ترسل طائرات، لم تهدد أحداً. كل ما فعلته هو أنها قالت الحقيقة في الوقت المناسب، واستخدمت علاقاتها المتوازنة لفتح قنوات الحوار، وقدمت رؤية لما بعد الحرب. وهذا النهج البسيط في الظاهر أثبت أنه أكثر فعالية من كل الأسلحة التي أنفقت على هذه الحرب
اليوم تتوالى الاتصالات الأوروبية والدولية على مسقط بوتيرة غير مسبوقة، وكأن العالم أجمع أدرك أن المفتاح الوحيد لوقف هذه الحرب لم يعد في واشنطن ولا تل أبيب ولا حتى طهران، بل في ذلك الثقل الدبلوماسي الهادئ الذي صنعته عُمان لعقود.
المباحثات لا تتوقف. مسقط تحولت إلى محطّة إلزامية لكل من يبحث عن مخرج من المستنقع. رؤساء ووزراء خارجية دول أوروبا يتناوبون على العاصمة العُمانية، رسائل مشفرة تتنقل بين طهران وواشنطن عبر قنواتها الآمنة، مبادرات غير معلنة تُطرح من مسقط وتراها الأطراف كافة الأقل استفزازًا والأكثر واقعية.
اللافت أن الاهتمام الأوروبي المتزايد بمسقط لم يأتِ من فراغ. فالدول الأوروبية، التي تدرك أنها ستكون من أولى المتضررين من انفجار شامل في الخليج، باتت ترى في السلطنة الشريك الأكثر موثوقية والأقل تعقيدًا.
هذا هو جوهر النهج العماني: دبلوماسية لا تنتظر أن تنقذها القوى العظمى من أزماتها، لكنها تسعى إلى إنقاذ القوى العظمى من أزماتها التي تسببت فيها هي أصلاً. وإذا كان هناك من درس من هذه الحرب حتى الآن، فهو أن صوت العقل، حين يصدر من مكان متواضع، قد يكون أعلى من دوي القنابل، وأكثر قدرة على الوصول إلى آذان من يملكون قرار الحرب والسلام.
في النهاية، الحرب التي بدأت في فبراير كانت خياراً خاطئاً اتخذته إدارة أمريكية منجرفة وراء أوهام إسرائيلية. والدبلوماسية العمانية نجحت في تصحيح هذا الخطأ جزئياً على الأقل أمام العالم أجمع لكن الأهم أنها أعادت التأكيد على فكرة أساسية في منطقة تعج بالأزمات: لا خلاص إلا بالحوار، ولا مستقبل إلا بالتفاهمات الإقليمية هذه الفكرة التي بدت ساذجة للبعض، أصبحت اليوم الخيار الوحيد المتبقي.
ختاماً أقول بأن معالي السيد بدر البوسعيدي ليس رجل ظرف طارئ، ولا هو نتاج لحظة استثنائية فرضت نفسها على المشهد. هو ابن المدرسة العمانية الأصيلة، تلك المدرسة التي أسسها سلاطين عُمان على مدى عقود، مدرسة لا تعرف الانبطاح ولا تعرف التطاول، مدرسة تضع الحكمة في موضعها وتقول الكلمة في زمانها.
وهذا الرجل الذي نراه اليوم يقف سداً منيعاً أمام جنون الحرب، لم يكن يوماً من الذين ينتظرون الرياح لتحرك سفينتهم.
اخيرا وبينما يلوح ترامب بالمفاوضات وبينما تتعالى الحملة الإسرائيلية على وزير الخارجية العماني، ندرك جميعاً أن الصوت الذي أزعجهم هو نفسه الصوت الذي يريد أن ينقذ المنطقة وواشنطن من حرب كان وقودها أوهامهم.