آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-03:56ص

البسط على المناصب العليا : اغتيال صامت للدولة

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 11:31 م
غالب منصور

بقلم: غالب منصور
- ارشيف الكاتب


لم يعد الفساد الإداري مجرد ظاهرة هامشية يمكن احتواؤها أو التخفيف من آثارها، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى منظومة متكاملة تُدار في الخفاء وتُفرض في العلن، تُعيد تشكيل بنية الوظيفة العامة على أسس غير قانونية، وتضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص .


أخطر تجليات هذا الفساد هو ما نشهده من بسطٍ واضح على المناصب العليا من قبل أشخاص لم يمروا بمسارات التدرج الوظيفي الطبيعي، وإنما وصلوا عبر بوابات الواسطة والنفوذ .


إن الوظيفة العامة في جوهرها ليست امتيازًا شخصيًا، بل

مسؤولية وطنية تُبنى على الكفاءة والخبرة والتراكم المهني، وعندما يتم القفز على هذا المبدأ، فإننا لا نخسر فقط قواعد العدالة الإدارية، بل نفتح الباب واسعًا أمام انهيار مؤسسات الدولة من الداخل، فالمسؤول الذي يصل دون استحقاق، غالبًا ما يفتقر إلى أدوات الإدارة الرشيدة، ويتعامل مع موقعه كغنيمة لا كأمانة .


هذا الواقع يخلق حالة من الإحباط العميق لدى الكفاءات الوطنية التي أفنت سنوات طويلة في خدمة الدولة، متسلحة بالخبرة والانضباط، لتجد نفسها مهمشة أمام صعود مفاجئ لأشخاص يفتقرون إلى الحد الأدنى من التأهيل، ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحالة إلى بيئة طاردة للعقول، ومولدة للفساد، حيث يصبح الولاء الشخصي بديلاً

عن الكفاءة، والعلاقات الخاصة بديلاً عن القانون .


كما أن البسط على المناصب العليا دون تدرج وظيفي يضعف هيبة الدولة ويهز ثقة المواطن في مؤسساتها، فكيف يمكن لمواطن أن يؤمن بعدالة النظام الإداري، وهو يرى المناصب تُمنح لا تُستحق ؟ وكيف يمكن بناء جهاز إداري كفؤ في ظل غياب معايير واضحة للتعيين والترقية ؟


إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط الأداء الحكومي، بل يقوض أسس الدولة الحديثة القائمة على النظام والقانون. لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ملحة، تبدأ هذه المواجهة بإعادة الاعتبار لمبدأ التدرج الوظيفي، وتفعيل معايير النزاهة والشفافية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال النفوذ

لتحقيق مكاسب وظيفية غير مشروعة .


ختامًا، فإن الدولة التي تُدار بالمحسوبية لا يمكن أن تنهض، والمؤسسات التي تُبنى على المجاملة لا يمكن أن تصمد. وحدها العدالة الإدارية هي الضامن الحقيقي لبناء دولة قوية، قادرة على خدمة مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم، وإن السكوت عن هذا العبث هو مشاركة ضمنية في ترسيخه، بينما التصدي له هو الخطوة الأولى نحو استعادة هيبة الدولة وإنصاف الكفاءة .