يأمل الحضارم أن يبدأ التحول الجذري في حضرموت فورًا، وبشكل لا يقبل التأجيل، نحو بناء جهاز إداري واعٍ وكفؤ ونزيه وشفاف، يدرك مسؤوليته أمام الناس ويعمل وفق معايير حديثة من الحوكمة والمساءلة. لقد آن الأوان لأن يُطوى ملف الاختلاس والفساد الإداري والمالي إلى الأبد، وأن يصبح جزءًا من ماضٍ لا يُستدعى إلا للعبرة.
كما إننا كحضارم نقولها بوضوح: يجب أن يختفي نموذج “الإدارة النائمة” التي تفتقر إلى الحيوية والرقابة، أو يتم اقتلاعها، وأن يُستبدل هذا النموذج الرديء بجهاز إداري نشط ومنضبط يليق باسم حضرموت التي تسعى لبناء نموذج دولة حقيقية. ويجب أن يختفي نموذج الموظف المتهاون، وأن يُلغى ارتداء الزي الشعبي في العم
ل الرسمي داخل المكاتب الحكومية بحضرموت.
وإلى جانب ذلك، ينبغي البدء في ترتيب “البيت الحضرمي” من الداخل، وعلى رأس الأولويات ضبط منظومة البيانات، خصوصًا ما يتعلق بحركة القادمين والمغادرين، بدقة واحترافية. فمن غير المقبول أن تظل جهات أساسية كالأمن، والشؤون الاجتماعية والعمل، والإسكان، والسياحة، والنقل تعمل دون قاعدة بيانات واضحة أو محدثة، فلا تعرف من دخل ومن خرج، ولا تمتلك إحصاءات دقيقة عن الوافدين خلال الأشهر الأخيرة أو حتى عبر السنوات الماضية. إن هذا القصور لا يعكس فقط خللًا إداريًا، بل يكشف أيضًا غياب الرؤية والتخطيط.
وللأسف، ما تزال كثير من المكاتب التنفيذية تعمل بذهنية قديمة، تعيد إنتاج أسلوب إداري مترهل ساد في مراحل سابقة من الفساد، حيث يكتفي بعض المسؤولين بثقافة “الحضور والانصراف من أجل الراتب”، وترك الأمور تسير دون رقابة أو تطوير. هذا النهج لم يعد مقبولًا في أي سياق يسعى للتقدم، ولا يمكن أن يتعايش مع مشروع بناء نموذج إداري حديث.
ومن الضروري أن تكون هناك رسالة واضحة وحازمة من محافظ حضرموت بأن المرحلة قد تغيرت، وأن المساءلة يجب أن تُحسم بسرعة. إن تقديم نموذج واحد جاد للمحاسبة القانونية، يُطبق فيه القانون على أي متورط في فساد،
قد يكون كفيلًا بإحداث صدمة إيجابية توقظ الجهاز الإداري وتدفعه نحو مسار الإصلاح الحقيقي.
إن استمرار الجهاز الإداري على نفس الثقافة والأساليب المتخلفة سيؤدي حتمًا إلى فقدان شرعيته أمام الناس، وقد يفتح الباب أمام ردود فعل شعبية قاسية. لذلك لا بد من إعادة ضبط الثقافة المؤسسية بالكامل وفق معايير الأنظمة الحديثة التي تقوم على الكفاءة والشفافية والرقابة والاعتماد على البيانات الدقيقة.
كما يجب أن يبدأ التغيير العملي فورًا، خاصة في المنافذ الرئيسية، من خلال إنشاء نظام متكامل لتسجيل بيانات الوافدين، يتضمن أماكن إقامتهم وأسباب قدومهم وفترات بقائهم. وينبغي أن تحتفظ الجهات المختصة بهذه البيانات بشكل منظم، وأن تُتاح مؤشرات عامة منها للرأي العام، مثل أعداد الوافدين لأغراض السياحة أو العمل أو العبور وتوزيعهم الجغرافي، بما يعزز الشفافية ويساعد في التخطيط.
إن التغيير الذي نطمح إليه في حضرموت إذا لم يتم سريعًا، فسيُعمل على فرضه لاحقًا عبر منظمات المجتمع المدني بطرق أشد صرامة قد تلحق الضرر بالمتخاذلين، وقد لا يسلم كثيرون من الملاحقة القضائية.